ومن يكتب السياسة المالية حين يغيب البرلمان؟
بدت جلسة التصويت على الجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة 2026 كأنها تمرين تقني أكثر منها لحظة سياسية مفصلية.
القاعة شبه خالية، المقاعد فارغة في الغالب، والوجوه الحاضرة أقل بكثير مما يتطلبه وزن القانون المطروح. 38 مستشاراً فقط حسموا مسار وثيقة مالية تهم دولة كاملة، بينما غاب الجزء الأكبر من ممثلي الأمة عن واحدة من أهم محطات التشريع.
تكرار هذا المشهد لم يعد حدثاً عابراً. حضور يتقلص عاماً بعد عام، ونقاش يتراجع أمام نصوص تمرّ بسرعة، ومسار تشريعي يفقد شيئاً من معناه كلما بدا البرلمان بعيداً عن دوره الطبيعي.
غياب المنتخبين لم يعد تفصيلاً، بل معطى يفرض قراءة مختلفة لطريقة إنتاج القرار داخل المؤسسات.
أرقام لجنة المالية تؤكد أن الحكومة قبلت 72 تعديلاً من أصل 227 تقدمت بها الفرق والمجموعات.
رقم يبدو كبيراً، لكنه لا يكشف بالضرورة مستوى النقاش داخل الجلسات، خصوصاً مع الحضور المحدود الذي يجعل من الصعب تتبّع كيفية بلورة التعديلات ومناقشتها داخل المؤسسة.
تعديلات تُقدَّم على الورق، وتصويت يجري في قاعة شبه خالية، ما يجعل العملية برمتها تبدو أقرب إلى مسار إداري أكثر منه نقاشاً عمومياً.
تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي قبل أسابيع حول وجود “لوبيات تتحرك داخل البرلمان” يكتسب في هذا السياق معنى إضافياً.
التصريح قدّم إشارة إلى وجود تأثيرات متداخلة داخل المؤسسة، دون تحديد جهة أو توجيه اتهام مباشر، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول تعدد مراكز التأثير حين يكون الحضور النيابي ضعيفاً.
الفراغ البرلماني يمنح وزناً أكبر لأي فاعل منظم داخل المؤسسة، سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو مهنياً.
تقرير لجنة المالية قدّم معطيات مطمئنة حول التحسن المالي: تقلص العجز، اعتراف مؤسسات دولية بالأداء، هوامش أكبر لاتخاذ القرار، وغلاف ضخم للقطاع الصحي يفوق 42 مليار درهم.
ورغم أهمية الأرقام، يظل النقاش السياسي الذي يعطيها أبعادها الحقيقية محدوداً، لأن غياب البرلمان يقلل من عمق النقاش داخل المؤسسات.
الشرعية التقنية مهمة، لكنها لا تعوّض غياب الشرعية النقاشية التي تمنح القوانين معناها الديمقراطي.
توزيع التعديلات بين الفرق يكشف بدوره تنوعاً في التأثير داخل المجلس.
الاتحاد العام لمقاولات المغرب قدّم 48 تعديلاً، بينما توزعت البقية بين نقابات ومجموعات سياسية.
هذا التنوع لا يشكل إشكالاً في حد ذاته، لكنه يبرز الحاجة إلى حضور سياسي فعّال يوازن بين المصالح المختلفة ويضمن نقاشاً عاماً حول الخيارات المطروحة.
الصورة العامة تثير سؤالاً سياسياً أعمق: ما موقع المنتخبين في هذه الدورة التشريعية؟ الحضور ضعيف، النقاش مقتضب، التعديلات تمرّ بسرعة، والقاعة تبدو أحياناً جزءاً ثانوياً من مسار صياغة القوانين.
النتيجة هي مؤسسة تمارس اختصاصاتها شكلياً، لكنها لا تنتج الحرارة السياسية التي تجعل النقاش العام جزءاً من بناء القرار.
الدولة تواصل تمرير قوانينها، الحكومة تعرض أرقامها، والمؤسسات الدولية تقدّم تقييماتها. كل شيء يبدو مستقراً على الورق، لكن خلف هذا الاستقرار تظهر فجوة سياسية تتعلق بدور البرلمان ووزن النقاش العمومي داخله.
النصوص تُصاغ في مساحات متعددة، وتُقدَّم في القاعة للتصويت، لكن المسار الذي يسبق التصويت يبدو أقل وضوحاً مما ينبغي.
المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية بالأساس.
النقاش الحقيقي لم يعد يدور حول مضمون قانون المالية وحده، بل حول المكان الذي يُصنع فيه القرار، وحول كيفية توزيع التأثير داخل المؤسسة. وحين تتحول الجلسات الكبرى إلى محطات عبور للنصوص، يبرز سؤال أكبر من كل الأرقام المطروحة:
من يكتب السياسة المالية للمغرب؟
النواب الغائبون؟
المجموعات الأكثر تنظيماً؟
التوازنات التي تتشكل خارج الجلسات العامة؟
أم منظومة أوسع تتحرك في هوامش العملية التشريعية؟
قانون مالية يمرّ بـ38 صوتاً لا يطرح مشكلة عدد، بل مشكلة معنى، ومن دون نقاش سياسي فعلي داخل المؤسسات، سيبقى التشريع أقرب إلى ملفّات جاهزة تمرّ في صمت، بدل أن يكون مجالاً مفتوحاً لصناعة القرار الوطني كما يفترض من أي مؤسسة تمثيلية.
