Hami Eddine Revives the “Forbidden Question”: Who Sets the Ceiling of Politics in Morocco?
لحظة مكثفة بالأسئلة قدّمها عبد العلي حامي الدين أمس الأربعاء خلال مداخلته بكلية الحقوق بالرباط.
لحظة تستحق التوقف لأنها لم تكتفِ بوصف أعطاب الحقل الحزبي، بل حاولت تفكيك البنية العميقة التي جعلت السياسة المغربية تبدو كما هي اليوم: فضاءً محدوداً في مبادرته، هشاً في استقلاليته، ومرتبكاً في علاقته بالمجتمع.
القراءة التي قدّمها المتحدث جاءت هادئة في نبرتها، لكنها قوية في رسائلها، ومشحونة بما يكفي لفتح نقاش سياسي أوسع من مجرد تقييم الأحزاب.
تفسير المتحدث لأصل الإشكال يبدأ من جذور الحقل الحزبي نفسه.
يرى أن بعض التنظيمات جاءت من الحركة الوطنية، تحمل معها شرعية تاريخية ورصيداً نضالياً، بينما ظهر صنف آخر في ظل الدولة الحديثة لأدوار مختلفة.
وأضاف أن هذه الازدواجية لم تكن مجرد اختلاف في النشأة، بل كانت في جوهرها اختلافاً في الوظيفة والغاية.
أحزاب نشأت للدفاع عن مشروع سياسي وطني، وأخرى نشأت لضبط التوازنات وصيانة استقرار معيّن. هذا التباين حسب قراءته أنتج حقلاً سياسياً هجينا لا يستند إلى مرجعية موحدة في الفكر أو في التنظيم.
عجز الأحزاب عن تطوير خطابات كبرى يعود، في نظر المتحدث، إلى هذا “الحمض الوراثي” المختلط. وأوضح أن جزءاً من الأحزاب وُضع منذ البداية داخل وظيفة دفاعية: حماية البنية، تثبيت النظام السياسي، ضمان استمرارية الاتجاه العام. وأشار إلى أن هذا التحديد غير المُعلن جعل قدرتها على الإبداع ضعيفة، لأنها تتصرف دائماً في مساحة محسوبة، لا تتجاوز حدودها، ولا تملك الشجاعة الكافية لبناء سرديات جديدة.
النظام الانتخابي يضاعف حدّة هذا التشخيص.
اعتبر المتحدث أن القواعد التي تتغير عند كل استحقاق تفقد العملية الديمقراطية أحد أهم شروطها: الاستقرار. وأوضح أن التعديلات المتكررة تمنح الانطباع بأن اللعبة السياسية تُصاغ في سياق غير ثابت، وأن كل دورة انتخابية تحمل قواعد جديدة، ما يجعل الفاعلين يعيشون “لحظة انتقال دائمة”، وهو ما يؤثر مباشرة على بناء الثقة بين الناخب والفاعل السياسي.
هذه الملاحظة ليست تقنية فقط، بل هي قراءة في كيفية صناعة التنافس قبل أن يبدأ.
النمط اللائحي المطبَّق حالياً جاء في مداخلة المتحدث باعتباره “استثناءً” لا يشبه أي نموذج معروف.
وأشار إلى أن هذا النمط لا يخدم الثقافة السياسية ولا يراكم الثقة، لأنه لا يسمح ببروز أحزاب قوية قادرة على قيادة الحكومات.
وأضاف أن جميع الحكومات التي ينتجها هذا النظام تأتي مركّبة، متباينة داخلياً، ومضطرة إلى البحث عن حدٍّ أدنى من الانسجام الظرفي، ما يجعل المسؤولية السياسية غير واضحة.
ومن وجهة نظره، يتحول الحكم في مثل هذه السياقات إلى عملية تفاوض مستمر، وليس إلى مشروع سياسي مُعلن يمكن محاسبته بوضوح.
تخليق الحياة السياسية حضر أيضاً بنَفَس جديد. اعتبر المتحدث أن التركيز الكبير على المنتخبين وحدهم يجعل النقاش ناقصاً.
وأوضح أن العملية الانتخابية ليست فعلاً يقوم به المنتخب فقط، بل هي منظومة يشارك فيها أطراف متعددة، مما يجعل التخليق مسؤولية مشتركة.
هذه الإشارة، رغم هدوئها، أعادت فتح نقاش حول التوازن داخل الحقل الانتخابي، وأعادت طرح السؤال حول حياد الفاعلين غير الحزبيين داخل العملية السياسية.
المناخ السياسي كان حاضراً بقوة في خطاب المتحدث.
وأكد أن جزءاً من الفاعلين أصبح يشعر بأن التعبير السياسي يحتاج إلى احتياط دائم، وهو توصيف يدل على حساسية اللحظة دون أن يتضمن حكماً قاطعاً.
وأضاف أن هذا الشعور يؤثر على جودة النقاش العمومي، لأن الكلام السياسي في الأصل يتطلب جرأة ومساحة آمنة للتعبير.
وأوضح أن الانكماش في التعبير السياسي يعكس خللاً في ثقة الفاعلين بالمجال العمومي، حتى لو لم يكن هذا الخلل مؤسسياً.
وظيفة الوساطة داخل المجتمع تشكّل محوراً مركزياً في قراءة حامي الدين.
واعتبر أن الاحتجاجات التي تظهر بين الحين والآخر دليل على صعوبة الوساطة الحزبية، لأن التنظيمات لم تعد تملك القدرة على ترجمة مطالب المجتمع.
وأوضح أن هذا الضعف ليس فشلاً ذاتياً بقدر ما هو نتيجة لنسق كامل يحدّ من استقلالية الأحزاب ويجعلها أقرب إلى “مكاتب تمثيلية” منها إلى فاعلين سياسيين.
وأضاف أن المجتمع حين لا يجد وسائط فعالة، يلجأ مباشرة إلى الشارع باعتباره فضاءً للتعبير غير المؤطَّر.
جيل “زد” كان جزءاً أساسياً من التحليل.
وأوضح المتحدث أن هذا الجيل لا يشبه الأجيال السياسية السابقة، لا في طرق التفكير ولا في طرق التعبير، ولا حتى في تصوراته حول المشاركة. وأضاف أن المنطق الرقمي والسرعة الفائقة في تداول المعلومات فرضا على الأحزاب تحدياً غير مسبوق: إما أن تجدّد أدواتها وإما أن تتجاوزها الأجيال الجديدة.
وأكد أن الخطابات الطويلة والبرامج الكلاسيكية لم تعد قادرة على جذب هذا الجيل، لأن لغته السياسية مختلفة، وأسلوبه في إدراك العالم مختلف جذرياً.
خلاصة المتحدث جاءت في شكل دعوة لإعادة بناء الحقل الحزبي على أسس فكرية وتنظيمية جديدة.
وأكد أن امتلاك مرجعيات قوية، وتطوير آليات ديمقراطية داخلية، واستعادة الاستقلالية، عناصر أساسية في هذا البناء.
وأضاف أن إصلاح السياسة لا يمكن أن يتحقق إذا بقيت الأحزاب أسيرة النسق أو رهينة حسابات لحظة معيّنة. وأوضح أن المستقبل السياسي المغربي يحتاج فاعلين قادرين على التعبير عن المجتمع، لا مجرد إدارة التوازنات.
المشهد الذي يرسمه هذا الخطاب ليس تشاؤمياً ولا اتهامياً، بل تحليلاً هادئاً لبنية تحتاج مراجعة عميقة. قراءة حامي الدين فتحت باباً لسؤال أكبر:
هل يمكن للحقل السياسي أن يستعيد دوره دون إصلاح القواعد التي تحكمه؟
وهل يمكن للأحزاب أن تصبح قوية في ظل منظومة تجعل قوتها مرتبطة بسقف محدد مسبقاً؟
وهل يمكن للديمقراطية أن تتطور دون ضمان مساحة أوسع للتعبير المستقل؟
أسئلة مفتوحة تصنع اليوم مستقبل السياسة المغربية، وكل تأجيل في الإجابة عنها يجعل النسق أكثر هشاشة، والأحزاب أكثر ضعفاً، والمجتمع أكثر بحثاً عن قنوات جديدة للتعبير.
