The Social State Rhetoric… Numbers Without Answers: What Is Hidden Behind “Accumulation” and “Political Decisions”?
لم يكن عرض الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، مجرد تقديم لمؤشرات مالية أو أرقام تقنية كما بدا في جلسة المصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2026.
كان في العمق خطاباً سياسياً مكتمل العناصر، يُراد له أن يقدم صورة مطمئنة عن “الدولة الاجتماعية”، دون أن يجيب عن الأسئلة التي تُطرح اليوم بإلحاح داخل المجتمع وفي قلب المؤسسات.
ورغم كثافة الأرقام التي قدّمها الوزير من 12 مليون مستفيد إلى 50 مليار درهم كلفة الحماية الاجتماعية، مروراً بانتقال ثلث المغاربة من راميد إلى التأمين الإجباري فإن جوهر الإشكال لم يتغير: كيف يمكن لكل هذه الأرقام أن تُترجم إلى واقعٍ اجتماعي ملموس بينما سياق السوق، خصوصاً في السكن، يسير في اتجاه آخر تماماً؟
لقجع اعترف بوضوح أن “التراكم هو أساس نجاح ورش الحماية الاجتماعية”، وأن هذا الورش لا يمكن تقييمه في سنة أو سنتين أو حتى خلال ولاية حكومية.
لكن هذا الكلام، رغم وجاهته التقنية، يخفي حقيقة سياسية واضحة: غياب النتائج السريعة يُبرَّر بخطاب طويل الأمد، بينما الإشكالات القائمة اليوم لا تنتظر ولا تُرحَّل إلى الحكومات المقبلة.
فإذا كانت الحماية الاجتماعية مشروعاً يحتاج إلى تراكم، فإن الأثر الاجتماعي المفترض—تحسين القدرة الشرائية، تخفيف كلفة العلاج، تسهيل الولوج إلى السكن
لم تظهر ملامحه بعد بالقدر الذي تروج له الحكومة. بل إن بعض البرامج، وعلى رأسها الدعم المباشر للسكن، تعيش مفارقات محرجة: السوق العقارية رفعت الأسعار قبل وصول الدعم، ما يعني أن الأثر الاجتماعي يتبخر قبل أن يصل إلى المواطن.
ومع ذلك، لم يتطرق لقجع لهذه المفارقة، ولا سألته المؤسسة التشريعية عن كيفية حماية الدعم من المضاربات.
لم يُطرح السؤال الجوهري: كيف تستفيد الأسر من دعمٍ تُسبق فعاليته بارتفاع الأسعار؟
أما حين قال الوزير إن “تسريع بناء وإصلاح المستشفيات قرار سياسي”، فإن العبارة مرّت كما لو أنها جملة عادية، بينما الحقيقة أنها إشارة سياسية ثقيلة.
فإذا كان تسريع بناء المستشفيات قراراً سياسياً اليوم، فهل كان قراراً غير سياسي بالأمس؟
ولماذا لم يُتخذ هذا القرار قبل سنوات، حين كانت الفجوة الصحية تتسع في العالم القروي والحواضر الهشة؟
وما معنى أن ورش الصحة سيستمر مع الحكومات المقبلة؟ هل هو اعتراف ضمني بأن الإصلاحات الحالية غير كافية؟
أما في ملف الاستهداف، فقد قال لقجع بوضوح:
“لا أحد ينفي وجود اختلالات.”
لكن الوزير لم يكشف حجم هذه الاختلالات، ولا تأثيرها على حقيقة توزيع الدعم، ولا كيف ستُصحَّح خلال “الأيام المقبلة”.
هنا يظهر الفراغ السياسي الحقيقي: خطاب مطمئن، دون إجابات دقيقة.
الأرقام الكبرى التي قدّمها الوزير ليست المشكلة؛ المشكل هو غياب الأسئلة التي تضع الأرقام أمام مسؤوليتها الاجتماعية.
أين التحسن الفعلي في المدرسة العمومية؟ أين الأثر في المستشفيات؟ أين التوازن بين الدعم والدخل؟ أين أثر إصلاح الجبايات على الفئات الوسطى؟
ثم السؤال الذي لم يُطرح رغم أهميته:
كيف يمكن لورش الحماية الاجتماعية أن ينجح بينما السياسة العمومية تُترك في مواجهة سوق يشتغل بمنطق مختلف تماماً؟
إن خطاب لقجع يبدو متماسكاً تقنياً، لكنه يظل منقوصاً سياسياً ما دام لا يقدم تفسيراً لمفارقات الواقع، خصوصاً في السكن والصحة والقدرة الشرائية.
فالتراكم لا يكفي، والقرار السياسي لا يكفي، والأرقام وحدها لا تكفي.
ما يحتاجه المواطن اليوم ليس تأكيدات حول المستقبل، بل إجابات حول ما يحدث الآن.
ولهذا يظل السؤال معلقاً:
هل نحن أمام مشروع دولة اجتماعية… أم أمام رواية حكومية تبحث عن أثر لم يظهر بعد؟
