لم تكن خرجة عبد الوافي لفتيت داخل مجلس المستشارين، اليوم الجمعة، مجرد عرض لخطوط إصلاح انتخابي جديد.
كانت، في الحقيقة، محاولة دقيقة لإعادة ترتيب الذاكرة السياسية للمغاربة: ذاكرتهم عن انتخابات 2021، وكيف جرت، ومن استفاد، ومن خسر، ومن صمت.
فالوزير لم يكتفِ بنفي تدخل الإدارة، بل ذهب أبعد حين قال إن “من حق البعض يشكّك”.
ومن يعرف لغة السياسة المغربية يفهم أن الاعتراف بحق التشكيك ليس مجاملة… بل إشارة إلى أن ملف 2021 لم يُطوَ بعد.
وأن هناك أسئلة عالقة لا يريد أحد أن يطرحها في العلن.
ولأن كل إصلاح يحتاج إلى “حكاية مقنعة”، جاءت المادة 6 لتؤدي الدور. مادة تُقدَّم على أنها “قلب الإصلاح”، بينما جوهرها الحقيقي هو رسم خريطة سياسية جديدة تُغربل المرشحين قبل أن تبدأ المنافسة، وتحوّل الشبهة إلى عنصر حاسم في مستقبل أي فاعل سياسي.
هنا بالضبط تتحول “تخليق السياسة” إلى أداة غامضة: لا أحد يعارض الأخلاق… لكن من يملك حق تعريفها؟
الغريب أن الوزير تحدث بثقة كبيرة عن “تحصين الأحزاب” و“رفع مكانتها”، وكأن المشكلة في المغرب هي مكانة الأحزاب لا طريقة صناعتها.
فالأزمة لم تبدأ من الترشيحات ولا من اللوائح… بل من علاقة غير متوازنة بين السلطة التنفيذية والفاعلين السياسيين، ومن انتخابات أصبحت نتائجها تُقرأ غالباً من زاوية “الأمر الواقع” أكثر من كونها تعبيراً حقيقياً عن وزن تنظيمي.
أما حين لمح لفتيت إلى إمكانية الرفع من عدد مقاعد مجلس النواب، بدا الأمر أشبه بتوسيع ملعب بلا تحديد قواعد اللعب.
مقاعد أكثر؟ ميزانية أكبر؟ تمثيلية أوسع؟ أم فقط إعادة توزيع الأصوات بما يناسب لحظة سياسية معينة؟
اللافت أكثر هو حديثه عن تعويضات البرلمانيين باعتبارها “من القرن الماضي”.
هنا يظهر التناقض في أوضح صوره:
هل نحن أمام نظام انتخابي يراد له أن يصبح أكثر صرامة… أم أمام مؤسسة تشريعية يراد لها أن تصبح أكثر “راحة”؟
وهل الأجدر هو تخليق السياسة… أم تحديث الامتيازات؟
ثم يأتي ملف الشباب.
صيغة جديدة، وجيل جديد، ووعود جديدة… لكن كل ذلك دون معالجة السؤال المركزي:
لماذا لم تعد الأحزاب قادرة على إنتاج نخب حقيقية؟
ولماذا يتحول المستقلون، فجأة، إلى “حل مؤقت” بدل أن يكونوا جزءاً من رؤية سياسية كاملة؟
الحقيقة أن خطاب لفتيت، في العمق، لم يكن حول الانتخابات فقط.
كان حول من يملك حق رسم قواعد اللعبة في 2026 وما بعدها.
حول من يدخل الحلبة… ومن يُستبعد.
حول الخريطة التي تُعدّ اليوم بهدوء، بينما يُطلب من الجميع التصفيق للإصلاح قبل رؤية أثره الحقيقي.
ويمكن القول إن دفاع الوزير عن انتخابات 2021 ليس دفاعاً عن عملية ديمقراطية بقدر ما هو دفاع عن الرواية الرسمية التي تريد الدولة تثبيتها قبل الدخول في مرحلة سياسية جديدة.
أما الواقع… فهو شيء آخر تماماً، يعرفه الجميع، ويتجنب الجميع قوله بصوت مرتفع.
