3 Dirhams at Import… 170 at Consumption: How Liver Prices Expose the Collapse of Public Policy Credibility
لم يعد الأمر مجرّد مفارقة سعرية؛ 3 دراهم عند الاستيراد و170 درهماً عند الاستهلاك تحوّلت إلى صرخة اقتصادية تُسمِع ما لم يجرؤ الخطاب الحكومي على قوله منذ سنوات.
الكبد، هذه القطعة الهامشية في سلة الغذاء، لم تعد مجرد سلعة… بل شاهد إثبات على أن طريق الإصلاح يتبخّر في منتصف المسار، وأن السياسة العمومية تفقد وزنها الحقيقي عند أول احتكاك بمنطق السوق.
فالفرق الهائل بين التكلفة والسعر لا يحرج الحكومة فقط، بل يعرّي حدود قدرتها على ضبط اقتصاد يبدو وكأنه يشتغل بقوانين موازية لا تصلها المذكرات ولا الإعفاءات ولا الوعود.
وهكذا، يكشف كيلوغرام واحد ما لم تكشفه مئات الصفحات من التقارير: الإصلاحات يمكن إعلانها… لكن السوق هو من يمنحها شهادة الحياة أو شهادة الوفاة وهنا، اختارت السوق أن تُسقط المصادَقة قبل أن تُسقط السعر.
في عالم الاقتصاد، تُعدّ بعض الأرقام مجرد مؤشرات تقنية.
لكن هناك أرقاماً أخرى تتحوّل، بمجرد ظهورها، إلى أسئلة كبرى تهزّ منطق السوق وتستفزّ العقل الناظم للسياسة العمومية.
ومن بين هذه الأرقام ذلك الذي برز خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، حين كشف النائب البرلماني عبد الله بووانو أن الكبد المستوردة تدخل البلاد بثلاثة دراهم للكيلوغرام، قبل أن تُباع داخل السوق الوطنية بما يقارب 170 درهماً.
كان التصريح مباشراً، لكنه فتح الباب أمام قراءة أعمق: فجوة كهذه لا يمكن تفسيرها بنظرية العرض والطلب، ولا بتقلبات السوق، ولا حتى بعوامل النقل والتخزين.
إنها فجوة تشير، بصمتها البليغ، إلى أن جزءاً من مسار تشكيل الأسعار في المغرب يجري خارج أي معادلة اقتصادية مفهومة.
الحكومة تُصرّ على أن إعفاء استيراد 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الجمال خلال سنة 2026 سيُسهم في تخفيض الأسعار.
لكن التجربة القريبة تقول شيئاً آخر: عامان من التسهيلات الجمركية لم يغيّرا شيئاً؛ ثمن اللحم بقي ثابتاً حول 120 درهماً للكيلوغرام، وكأن السوق يشتغل بمنطق موازٍ لا يتأثر بالتوجيهات ولا بالخطاب الإصلاحي.
ومع ذلك، فإن المعضلة لا تتعلق باللحم وحده.
الكبد هذه السلعة الرخيصة عند الاستيراد تتحول داخل السوق الوطنية إلى بضعة فاخرة، لها قوانينها الخاصة ومصيرها الخاص، وكأنها تمرّ عبر اقتصاد خفي يسحبها بعيداً عن متناول المواطن.
وهنا تتّضح قيمة تصريح بووانو: الرقم الذي قدّمه لا يلوم جهة محددة، بل يفتح ثقباً صغيراً في جدار الصمت، يسمح برؤية جزء من المشكلة.
فهو يكشف المسافة الشاسعة بين منطق الاستيراد ومنطق السوق، ويضع اليد على خلل ظلّ، لسنوات، خارج دائرة النقاش العام.
السؤال الذي لا يمكن للقارئ العارف بالاقتصاد تجاهله هو: أين يحدث هذا التحوّل السعري الهائل؟
الموانئ معلومة، التكلفة الأصلية موثقة، القوانين واضحة.
لكن ما بين المستورد والمستهلك توجد سلسلة توزيع لا تزال، إلى اليوم، صندوقاً أسود: لا يُرى، لا يُفهم، ولا يخضع لضوء الرقابة أو المحاسبة.
إن انتقال السعر من 3 دراهم إلى 170 درهماً لا يشير فقط إلى هامش ربح مرتفع، بل يكشف على الأرجح عن غياب بنية تنافسية سليمة، وعن منظومة اقتصادية تتداخل فيها الامتيازات والمصالح في مناطق غير مُعلنة.
وإذا كان بووانو قد كشف الرقم، فإن السوق تكشف الواقع: أسعار ترتفع بلا تفسير، وإعفاءات حكومية تُمنح بلا أثر، ونقطة غامضة في منتصف الطريق تتحكم في كل شيء.
يمكن للحكومة أن تُصدر المزيد من المذكرات، وأن تمنح مزيداً من الإعفاءات، وأن توسّع واردات اللحوم.
لكن هذه الإجراءات، مهما بدت تقنية، لن تغيّر شيئاً ما دامت البنية التي تُعاد فيها صياغة الأسعار وهي الحلقة الأكثر حساسية خارج نطاق الشفافية والرقابة.
وهكذا، تصبح الفجوة بين 3 و170 درهماً أكثر من خلل اقتصادي؛ تصبح دليلاً على فجوة سياسية بين ما يُعلن وما يتحقق، بين الورق والواقع، بين الرغبة في الإصلاح وقدرة الدولة على تنفيذه فعلاً.
ليس الهدف من هذا النقاش تضخيم واقعة تقنية.
الهدف هو قراءة الإشارة العميقة التي تحملها: إذا كانت سلعة تُستورد بثمن شبه رمزي وتصل إلى المستهلك مضاعَفة خمسين مرة، فإن سؤال الشفافية لم يعد اختياراً، بل خط الدفاع الأخير لفهم كيفية اشتغال السوق، وكيفية حماية القدرة الشرائية، وقبل ذلك وبعده كيفية إعادة بناء الثقة في السياسات العمومية ذاتها.
