لم يكن خطاب عزيز أخنوش اليوم السبت في الراشيدية محطة عابرة ضمن جولة حزبية تُسوَّق تحت عنوان “مسار الإنجازات”.
بدا الخطاب أقرب إلى محاولة لغوية لإعادة ترتيب الصورة قبل ترتيب الوقائع، وإلى صياغة بلاغية ترقّع ما لم تستطع السياسة ترميمه.
فالرجل يعود دائماً إلى المعجم نفسه: “نحن حزب الإنصات”، “نحن أوفياء”، “المنتقدون عطشى للسلطة”.
غير أنّ اللغة، مهما ازدانت، لا تملك قدرة إخفاء الأسئلة الثقيلة التي رافقت هذه الحكومة منذ يومها الأول.
فالحكومة الحالية ليست مجرد فريق تدبيري، بل هي بشهادة الوقائع لا التأويل أول حكومة في تاريخ المغرب المعاصر تتجاور داخلها فضائح الفراقشية وتضارب المصالح بهذا القدر من العَلَن والفجاجة.
وهي أيضاً أول حكومة يقف فيها وزير العدل، من قلب المؤسسة التشريعية، ليعلن بلا تردّد: “البرلمان لا يضم ملائكة… واللوبيات تتحرك داخله.”
وحين يبلغ الاعتراف هذا المستوى، ينكشف ما ظلّ الخطاب الرسمي يحاول تجميله: ثمّة من يتحكم في صناعة القوانين أكثر ممن يُفترض أنهم مشرّعون.
أمام هذا الواقع، تلجأ الحكومة إلى استراتيجية دفاعية واضحة:
رفع منسوب الخطاب لإخماد منسوب الأسئلة، خلق “خصم افتراضي” كلما اشتدّ ضغط الواقع، وإحياء معارك استهلكها الزمن مع العدالة والتنمية، وكأن البلاد لم تغادر بعد ظلال ليلة فرز 2021.
وفي خضم هذا الضجيج، يقدّم أخنوش حزبه كـ“أوفياء للمسؤولية التي قلّدنا إياها الملك”.
غير أن هذا التقديم في عمقه محاولة لإحاطة الأداء الحكومي بشرعية رمزية تُبعده عن المساءلة؛ فرفع سقف الشرعية يصبح أسهل حين يكون سقف النتائج منخفضاً، والاحتماء بالمقام يغني عن مواجهة الأرقام حين لا تخدم الحقيقة.
إنها تقنية لغوية قديمة: استدعاء الرمزية عندما يغيب الإنجاز.
لكن المشكلة لا تكمن في البلاغيات… بل في الوقائع ذاتها.
فهذه أول حكومة تمرّر قانوناً مالياً في ست دقائق، وأول حكومة يتحول فيها البرلمان إلى هيكل بلا صوت، يتحرك حين يُراد له أن يتحرك، ويصمت حين يصبح الصمت ضرورة سياسية.
ست دقائق فقط كانت كافية لرسم اتجاهات ميزانية دولة كاملة، ست دقائق لتقرير مصير 38 مليون مغربي، ست دقائق تشبه تمريراً ميكانيكياً أكثر مما تشبه نقاشاً ديمقراطياً.
في هذا السياق، يصبح مفهوماً لماذا يتشبّث أخنوش بشعار “الإنصات”.
فالإنصات الحقيقي يبدأ من مواجهة الأسئلة المؤجلة:
أين تبخرت وعود 2021؟
لماذا تتوسع الفوارق الجهوية بينما تُرفع راية العدالة الاجتماعية؟
كيف يمكن الحديث عن الإصلاح والقطاعات الحيوية تتهاوى تحت أثقال الاختلالات البنيوية؟
ومن يواجه تضارب المصالح الذي صار مادة يومية لحديث الشارع قبل حديث البرلمان؟
وعندما يزور رئيس الحكومة درعة تافيلالت ليعلن أن “الهدف هو الاستماع”، تفوح من المشهد سخرية يصعب تفاديها.
فالجهة نفسها لا تحتاج من يصغي، بل من يباشر الفعل:
من يعيد الروح لمستشفياتها، ومن يرد الاعتبار لمدارسها، ومن يعيد الأفق لشبابها، ومن ينقل التنمية من فضاء الخطاب إلى أرض الواقع.
ثم يأتي الوعد المؤجل من جديد:
“صوت المواطنين سيكون ضمن برنامج 2026.”
وكأن أصوات 2021 لم تكن برنامجاً بل تمريناً افتتاحياً، وكأن الإنصات لا يستيقظ إلا مع اقتراب صناديق الاقتراع.
إن المغرب يكتب فعلاً صفحة جديدة، لكن الصفحات الكبرى لا تُكتب بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات، وبفصل السلطة عن الثروة، وبعودة البرلمان إلى مكانته الطبيعية، وبجعل الحصيلة قابلة للقياس لا للتزيين.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل خطاب أخنوش مهما تجمّل محاولة لتجميل المسافة الفارغة بين ما يُعلن وما يتحقق، ومحاولة لتسكيت مرآة لم تعد ترحم من يخشى النظر إليها.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعلوّ الخطاب… بل بقدرة الوقائع على البقاء صامدة بعد أن ينسحب الصوت.
