خطوة أوروبية جديدة تضع تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة في صلب النقاش الاقتصادي، بعدما أعلن بنك الاستثمار الأوروبي عن آلية ضمان بقيمة 70 مليون يورو، قادرة على تعبئة ما يصل إلى 500 مليون يورو من القروض لفائدة المغرب وأربع دول شريكة أخرى.
ورغم أن الإعلان جاء بلغة تقنية هادئة، إلا أن خلفياته تفتح الباب لأسئلة ثقيلة حول واقع الائتمان داخل المغرب، وحول مدى استفادة المقاولات الصغيرة فعلاً من هذه التمويلات، أم أن الأمر يظل أكبر على الورق منه في الميدان.
تفيد وثيقة المشروع أن الهدف هو دفع البنوك المحلية إلى تخفيف شروط الإقراض عبر تحمل جزء من المخاطر. بلغة أوضح، الاتحاد الأوروبي يقدّم “حزام أمان” للقطاع البنكي حتى يجرؤ على تمويل المقاولات التي يصنّفها حالياً باعتبارها عالية المخاطر.
غير أن الواقع المغربي يشي بأن البنوك لا تغيّر سلوكها بسهولة: الضمانات العقارية تبقى شرطاً ثابتاً، والملفات المحاسباتية الثقيلة لا تُخَفَّف، ودراسة الأهلية تستمر طويلة ومستهلكة، بينما الخوف من المخاطرة يظل هو الحاكم الفعلي لمنح القروض.
وهكذا، تظل المقاولات الصغيرة المستهدَفة نظرياً أبعد ما تكون عن الاستفادة فعلياً.
وتكشف التجارب السابقة عمق هذا التناقض.
فبرامج مثل “ضمان أوكسجين”، “ضمان إنعاش”، “Innov Invest”، ومختلف آليات Tamwilcom، رُوّج لها باعتبارها حلولاً لأزمات المقاولات الصغيرة.
لكن الواقع أثبت أن المقاولات المتوسطة كانت المستفيد الأكبر، وأن جزءاً مهماً من التمويل استُخدم لسداد ديون قائمة، بينما لم تصل آليات الدعم إلى المقاولات الصغيرة جداً إلا بنسب محدودة.
الوعود كانت واسعة… والاستفادة ضيقة ومحصورة.
ويتعمق هذا التباين أكثر مع الطابع “الأخضر والاجتماعي” الذي تحمله الآلية الأوروبية الجديدة.
فالمشاريع القادرة على احترام شروط التمويل البيئي، واعتماد تقارير أثر ومراقبة وتتبع، لا تمثّل سوى نسبة ضئيلة من النسيج الاقتصادي.
أما أغلب المقاولات الصغيرة جداً التي تشكل أكثر من 80% من الاقتصاد الوطني فلا تمتلك الإمكانيات التقنية أو المحاسباتية للامتثال لمثل هذه المعايير، ما يُبقيها خارج دائرة الاستفادة رغم أنها أبرز الفئات المحتاجة لهذا الدعم.
وتأتي هذه الآلية ضمن برنامج EFSD+، المخصص للدول التي يُنظر فيها إلى الاستثمار باعتباره عالي المخاطر.
ووجود المغرب ضمن لائحة تضم مصر وفلسطين وأرمينيا ومولدوفا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة اقتصادية واضحة إلى هشاشة منظومة التمويل داخل هذه الأسواق، وإلى أن القطاع البنكي لا يتحرك بثقة دون غطاء خارجي صلب.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين نلاحظ أن النظام البنكي يستمر في تجنب الفئة التي يُفترض أن يدعمها.
فالمقاولات الصغيرة بطبيعتها غير مستقرة، معاملاتها غير منتظمة، وضماناتها محدودة.
وهذا يجعلها في نظر المؤسسات البنكية مخاطرة يجب الابتعاد عنها، حتى مع وجود ضمانات أوروبية. في النهاية، أوروبا تضمن… البنك يطمئن… والمقاولة الصغيرة تنتظر دورها.
ومع أن المشروع لا يزال قيد المراجعة، إلا أن التزامات الامتثال البيئي والاجتماعي التي سيُفرض احترامها على المستفيدين تطرح سؤالاً إضافياً حول مدى جاهزية النسيج المقاولاتي المغربي للانخراط في هذا المستوى من المتطلبات، خاصة في ظل هشاشة بنيته التنظيمية.
الخلاصة أن المبادرة الأوروبية تفتح باباً للتمويل، لكنها تكشف في العمق عن أزمة ثقة بين المقاولات الصغيرة والقطاع البنكي.
إنها خطوة مهمة، لكنها ليست كافية، ولا تصل إلى الفئات الأكثر حاجة للدعم كما توحي به البلاغات.
والأهم أنها تعيد طرح السؤال: هل أصبح الاعتماد على الخارج ضرورة لتجاوز تردد الداخل؟
الجواب ليس اقتصادياً فقط… بل سياسياً أيضاً.
