From “200 Years to Employ Youth” to a Sudden Recovery… How Has the Narrative Shifted Overnight?
قدّم وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، حصيلة جديدة حول وضع المقاولات في المغرب خلال سنة 2024، حافلة بالأرقام والاتجاهات التي تبدو للوهلة الأولى مؤشراً على دينامية إيجابية.
لكن خلف لغة الجلسة البرلمانية، يطفو سؤال آخر: هل يعكس هذا الانتعاش فعلاً الواقع الاقتصادي، أم أنه مجرد واجهة تقنية لصورته الرسمية؟
وفق معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، بلغ عدد المقاولات المحدثة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2024 ما مجموعه 72,343 مقاولة، مقابل 15 ألف مقاولة متوقفة، أي بارتفاع بلغ 17.5% مقارنة بالسنة الماضية.
كما تشير بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى أن عدد المقاولات المنخرطة بلغ مع نهاية السنة حوالي 344 ألف مقاولة، مقابل 255 ألفاً سنة 2019، بزيادة تصل إلى 34%.
أرقام قوية بلا شك، لكن قوة الأرقام شيء… وقوة الواقع شيء آخر.
ويصعب على المتابع اليوم استيعاب هذا الخطاب دون أن يتذكّر واحداً من أكثر التصريحات التي أثارت الجدل، حين قال السكوري تحت قبة البرلمان إن المغرب يحتاج 200 سنة لتشغيل شبابه إذا ظل الأداء على نفس الوتيرة.
لم يكن ذلك التقدير مجرد زلة لسان، بل كان تشخيصاً صارخاً لطبيعة الأزمة البنيوية التي يعيشها سوق الشغل. واليوم، حين يتحدث الوزير بلغة التفاؤل عن دينامية إحداث المقاولات واستقرار عقود تمتد لـ11 سنة، يبرز التناقض بقوة:
كيف انتقلنا من أفق يمتد لقرنين إلى حديث عن انتعاش ظرفي خلال أشهر؟
هل تغيّر الواقع فعلاً… أم تغيّرت زاوية الخطاب فقط؟
فالاقتصاد لا ينتقل بهذه السرعة من نفق طويل إلى طريق مفتوح.
وما قيل سابقاً لم يكن سوى مرآة صافية لواقع هشّ يتجاوز قدرة أي وزارة على تحويله إلى قصة نجاح سريعة.
وفي مقابل الصورة الوردية التي ترسمها الأرقام الرسمية، تختفي موجة أكثر إزعاجاً تعصف بآلاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تجد نفسها في مواجهة الاقتطاع الضريبي من المنبع الذي يُفعّل اليوم بشكل أوتوماتيكي ودون إشعار مسبق.
هذا الإجراء، الذي يُفترض أن يُعزّز الموارد الجبائية، تحوّل عملياً إلى مقصلة مالية تخنق المقاولة قبل أن تبدأ في إنتاج أرباحها.
فالمقاولات الصغيرة تفاجأ بأن مبالغ ضريبية تُقتطع مباشرة من فواتيرها قبل أن تتوصل بمستحقاتها، وأن حساباتها البنكية تُستنزف دون سابق إنذار، وأنها محرومة من السيولة الضرورية لتغطية مصاريفها الأساسية.
وهكذا تتحول الضريبة إلى عبء يسبق الربح بدل أن يتبعه، ما يدفع عشرات المقاولات الناشئة إلى توقيف نشاطها دون أن تُسجَّل رسمياً في خانة الإفلاس، ودون أن تظهر في الإحصائيات الحكومية التي تركز على الإحداث دون تتبّع مصير المقاولات بعد ذلك.
هذا التناقض بين رواية الانتعاش الحكومي وقصة الاختناق في الميدان يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول البنية الاقتصادية نفسها: إذا كانت المقاولات تنتعش كما يُقال، فلماذا ترتفع الشكايات من الاقتطاعات غير المبررة؟ وإذا كان التشغيل يتحسن، فلماذا تستمر القطاعات الأكثر هشاشة في إنتاج بطالة مقنّعة؟ وإذا كان الاستثمار يتحرك، فلماذا يعجز جزء واسع من المقاولات عن الولوج إلى التمويل أو الحفاظ على سيولة مستقرة؟
الرواية الحكومية تتحدث عن مسار تصاعدي، لكن الواقع يعيد تذكير الجميع بأن التحديات بنيوية، وأن الأزمة لا تُقاس بعدد المقاولات المحدثة بقدر ما تُقاس بعدد المقاولات القادرة على البقاء.
وتؤكد الحكومة استعدادها لمناقشة أي حصيلة جديدة، وتشدد على اعتمادها للأرقام الرسمية كمصدر وحيد للقراءة.
غير أن المقاولة الصغيرة لا تشتغل بالأرقام، بل بالسيولة، وبالزبناء، وبالهامش الضريبي الذي يتيح لها البقاء قبل التفكير في خلق منصب شغل واحد.
لذلك، ستظل الأرقام الرسمية مهما ارتفعت مجرد قراءة تقنية جزئية ما لم تترافق مع إصلاح ضريبي ومالي يعيد التوازن للنسيج المقاولاتي، ويمنح المقاولات الصغيرة فرصة الاستمرار قبل الحديث عن النمو.
أما تصريح “200 سنة”، فسيبقى بقدر ما كان صادماً مرجعاً لقياس المسافة بين التفاؤل الرسمي وعمق المأزق الحقيقي الذي لا يزال الشباب والمقاولات يواجهونه في الميدان.
