في الجلسة التي كان يُفترض أن تكون نقاشاً قانونياً هادئاً، خرج عبد اللطيف وهبي ليكشف ما وراء النص أكثر مما يفسّر النص نفسه.
الوزير لم يكتفِ بالتحفظ على قرار المحكمة الدستورية بخصوص قانون المسطرة المدنية، بل ذهب ليشكّك في منهج المؤسسة برمّتها، متسائلاً بجرأة غير مسبوقة: “هل هو طعن أم نزاع؟” وكأن المحكمة تحتاج إلى إذن إضافي كي تمارس صلاحياتها.
وهبي قالها مباشرة: “المحكمة الدستورية لا تبتّ إلا في ما يوجد حوله نزاع.”
جملة تكشف تصوراً خطيراً، يختزل المحكمة في دور “محلّل نزاعات” لا سلطة لها خارج ما يريده الطرف المحيل.
الوزير لم يقف هنا، بل واصل توضيح رؤيته حين قال: “المحكمة ليس لها حقّ البتّ في مواد لا نزاع حولها.”
بهذا المنطق، يريد الوزير محكمة تتحرك داخل دائرة ضيقة، لا تتجاوزها مهما كانت المخالفات الدستورية التي تظهر أمامها. المحكمة في فهمه يجب أن تشتغل بمنطق “الطلب”، لا بمنطق حماية الدستور.
لكن وهبي ذهب أبعد من ذلك، وصاغ واحدة من أكثر الجمل دلالة على انزعاجه من القرار:
“ذهبوا يتخيّلون ويطعنون في مواد ويبتّون في أخرى، فحوّلوا بذلك قانون المسطرة المدنية إلى سوبر مارشي.”
هنا تنكشف الصدمة: المحكمة قالت رأيها خارج الحدود التي رسمتها الحكومة، وبالتالي فهي في نظر الوزير تتصرف كما لو كانت لديها سلطة مستقلة… وهي فعلاً كذلك.
وفي خضم هذا الجدل، برز اليوم صوتٌ لم يُجامل وهبي: صوت الاتحاد الاشتراكي عبر برلمانيه سعيد بعزيز، الذي تدخل بوضوح حاسم ليذكّر الوزير بأن الدستور ليس ملكية خاصة، وأن مدة التسع سنوات ليست مجالاً للتأويل أو التمديد.
كان موقف الاتحاد رسالة سياسية مباشرة: المحكمة الدستورية مؤسسة فوق السلط، وليست ورشة تابعة للحكومة.
غير أن وهبي لا يرى الأمر من زاوية حماية الدستور، بل من زاوية حماية “انضباط النص” كما تريده السلطة السياسية.
لذلك، أي توسّع في مراقبة دستورية النصوص يتحول مباشرة إلى “تخيّل” أو “تسوّق”.
ولم يقف الأمر عند حدود المسطرة المدنية، بل امتد لملف التجريح في أعضاء المحكمة الدستورية، حيث قال الوزير:
“الطعن يكون في المنتخبين منهم المرشّحين من طرف البرلمان وليس المعيّنين، لأنه لا يمكن أن تنازع في شخص إلا إذا كنتَ تصوّت عليه.”
منطق وهبي هنا واضح: ما دمتَ لم تنتخب الشخص، فلا يحق لك مساءلته.
وهي قاعدة غريبة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تُعتبر جزءاً من هندسة السلطة، يفترض فيها أن تكون فوق الحسابات الانتخابية.
الوزير رفض أيضاً تعديلاً يتعلق بتجديد أعضاء المحكمة، وتجنّب تقديم تفسير مُفصّل، مكتفياً بالقول إنه سيتناول الموضوع في الجلسة العامة.
وهذا الصمت، في حد ذاته، كان أبلغ من الكلام: هناك رغبة في الحفاظ على ترتيبات معيّنة داخل المحكمة، حتى وإن تصادمت مع روح الدستور التي تحدد مدة العضوية وتسلسل التجديد بشكل دقيق.
في العمق، لم يكن وهبي يناقش القانون، بل كان يناقش حدود سلطة المحكمة الدستورية.
لأول مرة، بدا وكأن الوزير مستاء لأن الدستور استعمل أدواته الحقيقية، لا أدواته الرمزية.
المحكمة قامت بدورها، لكن الحكومة لم تتقبل أن الرقابة الدستورية قد تعارض ما هو سياسي.
هكذا يتحوّل الخلاف التقني إلى سؤال سياسي صريح:
هل المشكلة في المحكمة… أم في حكومة لا تزال تفضّل المؤسسات الصامتة على المؤسسات الفاعلة؟
ومع كل تصريح يطلقه الوزير، يزداد وضوح المشهد: القضية لم تعد تتعلق بمادة أو فصل، بل بمعركة أعمق حول حدود السلطة، وحول من يملك الحق في قول “لا” عندما تتعارض رغبة الحكومة مع روح الدستور.
يبقى السؤال الأكبر معلّقاً فوق هذا الجدل:
هل تريد الحكومة دستوراً يراقبها… أم دستوراً تُشرف بنفسها على مراقبته؟
سؤال لا يحتاج إلى جواب، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية للاعتراف به.
