When the Minister Comes Clean: Moroccan Universities Still Fail to Meet International Standards
لم يكن حديث وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين أمس الثلاثاء، مجرد استعراض تقني لخريطة الإصلاح الجامعي الجديد.
بل بدا أقرب إلى اعتراف رسمي بأن المنظومة التي صُرفت عليها المليارات منذ البرنامج الاستعجالي سنة 2009، لم تنضبط يوماً للمعايير الدولية في البحث العلمي ولا في إنتاج المعرفة.
فالوزير قالها بوضوح: “الجامعات لا تنضبط للمعايير الدولية، والبحث العلمي لم يكن ممأسساً في القوانين السابقة.”
جملة ثقيلة تكشف أن عشرية كاملة من البرامج والخطط لم تُنتج البنية البحثية التي كان يُفترض أن تكون أساس أي إصلاح جامعي، رغم أن المغرب ظل يرفع شعار “الجامعة قاطرة التنمية”.
وتشير المعطيات إلى أن مشروع القانون 59.24 جاء ليملأ هذا الفراغ البنيوي عبر تخصيص باب كامل للبحث العلمي، وإحداث مسارات جديدة مثل باحث ما بعد الدكتوراه، الباحث المنتسب، الباحث غير المغربي، ومهندس البحث.
وهي إجراءات تبدو تقنية، لكنها تفتح سؤالاً عميقاً: كيف كانت منظومة التعليم العالي تُدار طوال سنوات دون إطار قانوني حقيقي يضبط البحث العلمي ويضمن استمراريته؟
وفي ملف الذكاء الاصطناعي، قدّم الوزير صورة طموحة حول اعتماد وحدات جديدة في الإجازة والماستر، وخلق 65 مسلكاً متخصصاً، ورقمنة عشرات الوحدات، وتكوين 600 أستاذ، إلى جانب إحداث هيئة وطنية للتفكير في مستقبل الذكاء الاصطناعي.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذا “التسريع الرقمي” يأتي بينما البنية البحثية نفسها ما تزال في طور التأسيس.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن بناء اقتصاد معرفي بلا منظومة بحثية متكاملة؟ وهل تكفي وحدات موزعة على الإجازة والماستر لتكوين جيل قادر على إنتاج المعرفة؟ ثم أين المختبرات والتمويل والشراكات الصناعية التي تجعل الذكاء الاصطناعي أداة إنتاج حقيقية وليس مجرد عنوان إصلاحي؟
ويتحدث الوزير عن “تبسيط الذكاء الاصطناعي”، بينما الجامعات نفسها ما زالت تبحث عن المعايير التي ستشتغل بها قبل التفكير في تبسيطه للطلبة.
المفارقة بين خطاب السرعة وواقع البنية تكشف رغبة في القفز إلى المستقبل دون إحكام أساسات الحاضر.
وفي ما يتعلق بالخريطة الجامعية، أثار الوزير الانتباه بإعلانه توسيع العرض الجامعي في جهة درعة تافيلالت، والحديث عن جامعة الراشيدية بطموح يتراوح بين خمس وست مؤسسات جديدة.
خطوة تحمل بعداً تنموياً مهماً، لكنها تظل رهينة بالمصادقة على مشروع القانون 59.24، ما يجعل مستقبل هذه الجهة الأكاديمية معلقاً بمسار تشريعي لم يُحسم بعد.
فيما تبقى الإشكالات الكلاسيكية للاستقطاب المفتوح وتفاوت نسب الولوج دون حلول واضحة.
أما حديث ميداوي عن “قطيعة أولى ثم ثانية” منذ 2009، فليس مجرد توصيف تقني لمسار الإصلاح، بل إشارة سياسية دقيقة إلى أن الجامعة المغربية عاشت ورش إصلاح بلا استمرارية، وأن غياب التتبع والتقييم جعل كل مرحلة تبدأ من الصفر تقريباً.
الإصلاحات تعاقبت، لكن الرؤية لم تترسخ، فكانت النتيجة منظومة تغيّر وزراؤها أكثر مما تغيّرت بنياتها.
واعتراف الوزير بأن الجامعات لا تحترم المعايير الدولية ليس مجرد تشخيص، بل إعلان عن فجوة حوكمة أعمق من فجوة المعرفة.
فمنظومة تضم أكثر من مليون طالب ومئات المختبرات لا يمكن أن تستمر دون إطار مؤسساتي واضح للبحث العلمي.
كما أن تقديم الذكاء الاصطناعي كواجهة إصلاحية قد يُخفي واقعاً بسيطاً: الأساس ما زال قيد البناء.
تصريحات ميداوي تكشف لحظة مكاشفة نادرة: البحث العلمي لم يكن ممأسساً، الجامعات خارج المعايير، والإصلاح عرف قطيعتين لا واحدة.
المغرب اليوم يقف أمام محاولة إطلاق “إصلاح ثالث” يريد أن يقفز نحو الذكاء الاصطناعي قبل إغلاق فجوات الماضي.
ولعلّ لحظة الحقيقة بدأت الآن فقط، في انتظار أن يُترجم هذا الاعتراف السياسي إلى تغيير فعلي في العمق.
