When the Ministry of the Interior Lays Its Cards on the Table… The Deferred Question Returns: Where Has It Been All These Years?
لم يكن التحرك الواسع الذي دشّنته وزارة الداخلية ضدّ موجات البناء الصناعي العشوائي الممتدة من الرباط إلى الجديدة مجرّد حملة تقنية لضبط مخالفات متفرّقة؛ بل بدا أشبه باستعادة متأخرة لهَيْبة الدولة، في توقيت محكوم بتوازنات دقيقة، يوحي بأنّ البلاد مقبلة على إعادة تشكيل هادئة لخريطتها الانتخابية مع اقتراب استحقاقات 2026.
غير أنّ السؤال الذي يرفض أن يَخفت، مهما حاول البعض طمسه، يظلّ يطرح نفسه بجرأة:
أين كانت الداخلية طوال السنوات التي نشأت فيها هذه “المناطق الصناعية الظلّية” تحت أعين السلطة الترابية؟
ولِمَ لا تستيقظ هذه الصرامة إلّا على أبواب الانتخابات؟
ليس هذا السؤال تشكيكاً في وجاهة ما يجري اليوم، بل مطالبة بتفسير فجوة زمنية بين تراكم الخروقات وتوقيت التحرك، خصوصاً أنّ الملف لم يكن يوماً تقنياً صرفاً، بل اقتصاداً موازياً أثّر في موازين النفوذ تماماً كما أثّر في مخرجات صناديق الاقتراع.
فالوقائع التي تكشفها التقارير الإقليمية والمسوحات الجوية لا تتحدث عن خروقات عرضية، بل عن بناء منظّم لاقتصاد غير رسمي:
مستودعات بلا رخص، معامل سرية لصناعة الأكياس البلاستيكية، استغلال غير مشروع للماء والكهرباء، وتنامٍ لنشاط صناعي يشتغل في الظلّ تحت مظلات نفوذٍ محلية.
هذه الظواهر لم تُولد فجأة؛ بل نمت وتصلّبت مع مرور الزمن.
فكيف لسلطةٍ تُحصي أدقّ التفاصيل في المجال الترابي أن تغفل عن نشوء “قلاع صناعية” فوق أراضٍ فلاحية تحوّلت إلى فضاء مفتوح للعشوائية؟
هل كانت غافلة حقاً… أم كانت تتغافل في مرحلة كان فيها العشوائي أحد مفاتيح التحكم في الخريطة الانتخابية؟
كشفت مصادر إعلامية أنّ التعليمات الموجّهة للولاة والعمال لا تقتصر على محاربة البناء غير القانوني، بل تستهدف أيضاً فتح مساطر عزل في حقّ رؤساء جماعات نافذين، وتعليق ترشيحاتهم وفق المشروع التنظيمي الجديد الذي شدّد شروط الأهلية ومنع الملاحَقين قضائياً من خوض غمار الانتخابات.
ويبدو أنّ هذا المشروع لم يُطرح اعتباطاً في هذا الوقت تحديداً؛ بل جاء ليؤكد أنّ مرحلة “النفوذ الذي لا يُمسّ” قد طويت صفحاتها، وأنّ “اقتصاد العشوائي” الذي صنع منتخبين صار اليوم عبئاً على الدولة، أو على الأقلّ على الصورة الجديدة التي ترغب الدولة في ترسيخها عن نفسها.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً:
هل تتحرّك الدولة اليوم لتصحيح مسار عمراني اختلّ، أم لتصحيح خريطة سياسية لم تعد مناسبة للمرحلة المقبلة؟
إنّ تزامن:
حملات الهدم، تحرير محاضر تفصيلية، إعداد لوائح سوداء، فتح مساطر عزل، وتشديد شروط الترشح، لا يمكن أن يُقرأ كحركة إدارية بحتة؛ بل هو إعادة هندسة سياسية تُعيد رسم حدود النفوذ المحلي، وتقصي الوجوه التي صنعت سلطتها داخل مناطق ظلّ طافحة بالخروقات العمرانية.
وهكذا يعود السؤال المؤجَّل، هذه المرة بحدة أشدّ:
أهو انتصارٌ لسلطة القانون… أم إعادة ترتيب لأوراق القوة؟
وما بين القانون والسياسة، يظلّ ثابت واحد:
أنّ “العشوائي” لم يكن في يومٍ من الأيام مجرّد بناءٍ بلا رخصة، بل كان لغة نفوذ مضمَرة تُدار بها التحالفات والموازين.
ويبدو أنّ الدولة، في هذه اللحظة، قررت أخيراً تغيير قواعد اللعبة.
