When the Powerful Write the Rules… and the Small Are Left Out of the Script: Reform with a Taste of Monopoly
يضع سؤال عبد الله بووانو الحكومة أمام مرآة لا ترغب كثيراً في الاقتراب منها. فالمسألة لا تتعلق بدراسة تقنية حول “نظام الاعتماد” في قطاع الهندسة، بقدر ما تكشف اختباراً حقيقياً لمبدأ دستوري واضح: هل تُصنع قواعد المنافسة داخل مؤسسات الدولة، أم يُفوَّض رسمها للفاعلين الذين يستفيدون منها قبل غيرهم؟ إذ إن إسناد إعداد هذه الدراسة إلى مكاتب كبرى تهيمن على السوق، مثل SIS وNOVEC وCID، يجعل الحديث عن تكافؤ الفرص مجرد صياغة جميلة فوق واقع يميل بكفة واضحة.
المفارقة أن هذه المكاتب، بحجمها وتأثيرها، ليست في حاجة إلى أي اعتماد جديد، بل تمتلك القدرة والخبرة التي تجعلها الأكثر استفادة من وضع المعايير.
وكل تعقيد إضافي في هذه المعايير لن يكون له أي أثر على المؤسسات العملاقة، لكنه سيغلق الباب عملياً في وجه مئات المكاتب الصغيرة والمتوسطة التي تشكل 70% من النسيج المهني، والتي لن تتجاوز حصتها، وفق المعطيات المتداولة، 6% من رقم المعاملات إذا تم اعتماد الصيغة الحالية.
المسودة الأولية للنظام الجديد، المرتكزة على تقرير تشخيصي وصفه بووانو بـ”المنقوص والمنحاز”، تقدم تصوراً يبدو في ظاهره إصلاحياً، لكنه يعيد رسم الخريطة المهنية على مقاس عدد محدود من الفاعلين.
إنها معايير تقنية ومالية وتنظيمية مرتفعة إلى حدّ يجعل الإصلاح أقرب إلى عملية إعادة هندسة للسوق منه إلى أداة لتحسين الجودة. وهكذا يتحول الاعتماد من وسيلة تنظيمية إلى بوابة مغلقة، تُقصي المنافسين الصغار وتمنح امتيازاً مهيكلاً للفاعلين الكبار.
هذا الوضع لا يهدد فقط مبدأ المساواة وحرية المبادرة، بل يفتح الباب أمام تكوين مركز قوة موحد داخل القطاع، قادر على التأثير في قواعد السوق وفي توجهات الاستثمار العمومي والخاص.
وما يظهر في الواجهة باعتباره سعياً نحو رفع مستوى الجودة، قد يصبح عملياً آلية لتركيز السوق وتقليص التعددية المهنية وتهميش المكاتب الجهوية، التي تُعتبر العمود الفقري للهندسة الوطنية.
إن أي إصلاح لا يستحضر هذه التعددية، ولا يشرك مختلف الفاعلين من مكاتب صغيرة ومتوسطة وكبيرة، ولا يفتح المجال أمام الخبراء المستقلين والهيئات المهنية، يتحول بطبيعته إلى إعادة ترتيب للملعب بطريقة تمنح بعض اللاعبين أفضلية مسبقة.
الإصلاح الذي لا يمثل الجميع لا يمكن أن يكون إصلاحاً، بل يصبح نصاً أنيقاً يؤطّر واقعاً مختلاً.
وما يبدو اليوم خطوة تنظيمية قد يتطور، إذا استمرت مقاربته بهذه الصيغة، إلى تشريع فعلي لتركيز السوق، يرفع شعار الجودة بينما يرسّخ عملاً ممارسة احتكارية ناعمة.
هكذا يصبح الإصلاح عنواناً جميلاً لتمرين دقيق: الحفاظ على الوضع القائم… ولكن بلغة أكثر حداثة.
