27 mm of Rain… 37 Deaths: When “Fate” Becomes Government Discourse and Politics Quietly Withdraws
لم تحتج مدينة آسفي إلى إعصار مدمّر ولا إلى تساقطات قياسية غير مسبوقة حتى تتحول ساعات قليلة من المطر إلى مأساة إنسانية ثقيلة.
سبعة وثلاثون وفاة، وعشرات المصابين، وأحياء وأسواق تاريخية غمرتها السيول، كانت حصيلة تساقطات لم تتجاوز 27 ميليمتراً، لكنها كانت كافية لكشف هشاشة بنيوية أعمق بكثير من مجرد ظرف مناخي عابر.
في أول تعليق رسمي على الفاجعة، قال رئيس الحكومة عزيز أخنوش إن ما عرفته آسفي “قدر” ناتج عن تساقطات مطرية قوية في وقت وجيز.
توصيف قد يبدو، في ظاهره، وصفاً تقنياً لواقعة طبيعية، لكنه يطرح في عمقه سؤالاً سياسياً دقيقاً: ماذا يعني أن يُستدعى مفهوم “القدر” في خطاب المسؤولية الحكومية؟ وأين تقف السياسة العمومية حين يُقدَّم المطر باعتباره التفسير المركزي لما حدث؟
في منطق التدبير الحديث للمخاطر، لا تُقاس الكوارث الطبيعية بكمية الأمطار وحدها، بل بمدى جاهزية البنية التحتية، وفعالية التخطيط الحضري، ووجود سياسات وقائية تستبق الخطر بدل الاكتفاء بإدارته بعد وقوعه.
فالمطر عنصر طبيعي، لكن تحوّله إلى فيضانات قاتلة يرتبط أساساً بمدى استعداد المدينة لاستيعابه دون أن يتحول إلى تهديد مباشر للأرواح.
التصريحات الصادرة عن رئيس جماعة آسفي، التي أشار فيها إلى أن واد الشعبة تجاوز قدرته الاستيعابية بعشر مرات، أعادت إلى الواجهة إشكالاً قديماً جديداً.
فالواد الذي يمر وسط المدينة ليس معطىً طارئاً، وخطورته معروفة منذ سنوات، كما أن تمدد العمران والأسواق بمحاذاته لم يكن نتيجة ظرف استثنائي، بل حصيلة اختيارات عمرانية وتدبيرية تراكمت عبر الزمن.
هنا، يتحول السؤال من “لماذا فاض الواد؟” إلى سؤال أكثر إحراجاً: لماذا تُركت المدينة مكشوفة أمام خطر معروف؟ ومن تحمّل مسؤولية الترخيص بالبناء، أو غضّ الطرف عن توسع أنشطة تجارية وسكنية في مجال فيضاني يفترض أن يخضع لضوابط صارمة؟
الاجتماعات الطارئة التي انعقدت بمقر عمالة الإقليم، وإعلان التعبئة الشاملة للموارد البشرية واللوجستيكية، والتأكيد على التنسيق واليقظة، كلها إجراءات ضرورية في لحظة الأزمة.
غير أنها تظل جزءاً من مشهد يتكرر عقب كل فاجعة، حيث يتركز الجهد على تدبير ما بعد الكارثة، بينما يظل النقاش حول ما قبلها مؤجلاً أو غائباً.
في هذا السياق، تكتسي الدعوة إلى تصنيف آسفي منطقة متضررة من كارثة طبيعية أهمية خاصة، لما يتيحه هذا الإجراء من تعويضات للضحايا والمتضررين.
لكنها تطرح، في المقابل، مفارقة واضحة: لماذا لا تحظى سياسات الوقاية بنفس مستوى الجدية والالتزام الذي يرافق مساطر التعويض بعد سقوط الضحايا؟
فاجعة آسفي، بهذا المعنى، تتجاوز كونها حدثاً مناخياً استثنائياً، لتتحول إلى مرآة تعكس اختلالاً أعمق في ترتيب الأولويات، وفي طريقة مقاربة المخاطر داخل السياسات العمومية.
وحين يُقدَّم المطر في قفص الاتهام، وتُستبعد أسئلة الوقاية والتخطيط والمحاسبة من صلب النقاش، يصبح الخطر الحقيقي هو تكرار السيناريو ذاته، في مدينة أخرى، مع أول تساقطات توصف مجدداً بـ“غير المتوقعة”.
