A Widening Deficit and Rising Revenues: When Citizens Pay the Price of Budget Imbalances
أفادت معطيات الخزينة العامة للمملكة، عند متم نونبر 2025، بوجود مفارقة مالية واضحة، تتمثل في ارتفاع ملحوظ في المداخيل العمومية يقابله تفاقم مقلق في عجز الميزانية، في سياق يعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة الجباية، ومنطق الإنفاق، وحدود فعالية السياسات المالية المعتمدة.
فقد بلغ عجز الميزانية 68,8 مليار درهم، مقابل 45,7 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2024، أي بزيادة تناهز 23 مليار درهم في سنة واحدة.
ويأتي هذا الارتفاع رغم تسجيل المداخيل العادية نمواً بنسبة 15,8 في المائة، وهو ما يؤكد أن الإشكال لم يعد مرتبطاً بضعف الموارد، بقدر ما يرتبط بكيفية تدبيرها.
إن الارتفاع المسجَّل في المداخيل العمومية لا يعود، في جوهره، إلى تحسّن نوعي في بنية الاقتصاد أو إلى توسّع حقيقي في القاعدة الإنتاجية، بقدر ما يعكس تنامياً في الضغط الجبائي على المواطن.
فالمعطيات الرسمية نفسها تشير إلى أن الزيادة الأساسية جاءت من الضرائب المباشرة، وفي مقدمتها الضريبة على الدخل التي يتحمّلها الأجراء أساساً، ومن الضرائب غير المباشرة، وعلى رأسها الضريبة على القيمة المضافة التي تُؤدَّى مع كل عملية استهلاك، إضافة إلى رسوم التسجيل والتنبر المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.
وهو ما يعني عملياً أن المواطن أصبح المموّل الأول للميزانية، لا الاقتصاد المنتج ولا القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
ولو كان هذا الارتفاع ناتجاً عن نمو الإنتاج، أو توسّع الاستثمار المنتج، أو تحسّن حقيقي في خلق الثروة، لكان منطقياً أن ينعكس على تقليص العجز وتحسين التوازنات. غير أن الواقع يُظهر العكس تماماً: المداخيل ترتفع والعجز يتعمّق، بما يبرز طبيعة جباية استهلاكية أكثر منها تنموية.
وفي المقابل، ارتفعت النفقات الصادرة برسم الميزانية العامة إلى 505,5 مليار درهم، بزيادة 13,5 في المائة، نتيجة ارتفاع نفقات التشغيل بنسبة 16,1 في المائة، ونفقات الاستثمار بنسبة 19,4 في المائة، إلى جانب استمرار ضغط أعباء الدين.
ورغم تسجيل انخفاض طفيف في تسديد أصل الدين، فإن فوائد الدين واصلت الارتفاع لتبلغ 41,9 مليار درهم، ما يعكس تحوّلاً في بنية المديونية أكثر مما يعكس تحسّناً في مستواها، ويُقيّد هامش القرار المالي مستقبلاً.
أما الرصيد الإيجابي للحسابات الخاصة للخزينة، فرغم مساهمته في التخفيف المحاسباتي للعجز، فإنه لا يُعبّر عن إصلاح هيكلي حقيقي، بقدر ما يعكس اعتماداً متواصلاً على آليات ظرفية لتحسين صورة الميزانية دون معالجة أصل الاختلال.
وتُظهر هذه المعطيات أن مالية الدولة لا تعاني من أزمة موارد، بقدر ما تعاني من أزمة حكامة إنفاق. فحين ترتفع المداخيل لأن المواطن يدفع أكثر، لا لأن الاقتصاد ينتج أكثر، نكون أمام نجاح محاسباتي محدود، لا أمام تحسّن اقتصادي فعلي.
وما لم يُعاد النظر في منطق الجباية، ويُضبط مسار النفقات، ويُخفَّف عبء الدين، سيظل المواطن يموّل ميزانية مختلّة، وتظل الأرقام تتحسّن على الورق، بينما يظل الواقع مثقلاً بالتناقضات.
