Between Tragedy and a Delayed Decision: Are Financial Calculations Shaping the Classification of the Asfi Disaster?
لم تعد فاجعة آسفي حدثًا مأساويًا عابرًا يمكن اختزاله في تساقطات مطرية استثنائية، بل تحوّلت إلى لحظة اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على الاستجابة للكوارث، ولمنطق اتخاذ القرار حين تتقاطع الكلفة الإنسانية مع الحسابات المالية.
فبعد سقوط عشرات الضحايا، وامتداد الخسائر إلى أحياء كاملة وبنية تحتية أساسية، وجد المتضررون أنفسهم أمام واقع مُربك: غياب قرار رسمي يصنّف ما وقع «واقعة كارثية»، وما يترتب عن ذلك من تعليق فعلي لمساطر التعويض.
في الساعات الأولى التي تلت الفيضانات، لم يكن السؤال المطروح هو حجم الخسائر فقط، بل طبيعة التعاطي الرسمي معها.
فقد اصطدم مواطنون فقدوا مركباتهم وممتلكاتهم بجواب موحّد لدى شركات التأمين مفاده أن التعويض يبقى مشروطًا بصدور قرار حكومي صريح يعلن الواقعة كارثية.
وهكذا انتقل المتضررون، في ظرف وجيز، من صدمة الفاجعة إلى متاهة المساطر، في انتظار تصنيف إداري لا يبدو أن له آجالًا واضحة أو أفقًا زمنيًا محددًا.
الفيضانات التي ضربت آسفي أعادت إلى الواجهة سيناريو بات مألوفًا في عدد من المدن المغربية: هشاشة في التهيئة، ضعف في البنية التحتية، وغياب فعلي لمنطق الوقاية، ما يجعل الكوارث المناخية تتكرر بنفس الكلفة البشرية والمادية.
غير أن ما زاد من حدّة التساؤلات هذه المرة، لم يكن فقط تكرار المشهد، بل بطء تفعيل آليات الحماية الاجتماعية التي أُحدثت تحديدًا لمثل هذه الحالات، وعلى رأسها صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.
فمن الناحية القانونية، يظل تفعيل الصندوق وتعويض المتضررين رهينًا بقرار حكومي يصنّف الحدث «واقعة كارثية» وفق مقتضيات القانون 110.14. وهو ما يطرح إشكالًا عمليًا حين تغيب آجال مضبوطة لاتخاذ هذا القرار، فيتحول الانتظار إلى عبء إضافي على مواطنين يعيشون أصلًا حالة هشاشة قصوى.
ويزداد هذا الإشكال حدّة إذا ما استُحضر أن أقساط التأمين تتضمن منذ سنوات اقتطاعًا إلزاميًا لفائدة رسم التضامن، المفترض أن يشكّل شبكة أمان عند وقوع الكوارث، لا آلية مؤجلة تنتظر الحسم الإداري.
في هذا السياق، تعالت أصوات حقوقية وبرلمانية تطالب بالإسراع في تصنيف ما شهدته آسفي «واقعة كارثية»، معتبرة أن التأخر لا يمكن فصله عن سؤال الكلفة المالية التي يترتب عنها فتح باب التعويضات، سواء عبر الصندوق أو عبر آليات التأمين.
وهو تأويل لا يُقدَّم في صيغة اتهام مباشر، لكنه يفرض نفسه في ظل صمت رسمي لم يقدّم، إلى حدود الساعة، توضيحات دقيقة حول أسباب التريث أو الجدولة الزمنية المتوقعة.
ويكتسي هذا النقاش أهمية إضافية بالنظر إلى قرار الحكومة، خلال الأشهر الماضية، رفع رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية من 1% إلى 1.5% من أقساط التأمين، بدعوى تزايد كلفة التغطية بعد زلزال الحوز وتنامي المخاطر المناخية.
قرار قُدّم حينها باعتباره إجراءً استباقيًا لتعزيز الحماية، لكنه اليوم يواجه أول اختبار حقيقي على مستوى النجاعة وسرعة التفعيل.
فالمواطن الذي يساهم إجبارياً في تمويل الصندوق، يجد نفسه، عند أول امتحان فعلي، معلقًا بين خطاب التضامن وواقع التأجيل.
وفي تطور لافت، أعلنت الجمعية الوطنية للمحامين بالمغرب عزمها اللجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بتصنيف آسفي منطقة منكوبة.
خطوة تندرج ضمن التقاضي الاستراتيجي، وتعكس انتقال النقاش من مستوى المطالبة السياسية إلى مستوى مساءلة القرار العمومي قانونيًا، في سياق يُطرح فيه سؤال المسؤولية بحدة، دون أن يُحسم فيه رسميًا.
صحيح أن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي أعلن فتح بحث قضائي بخصوص خلفيات الفيضانات التي خلّفت، في حصيلة مؤقتة، عشرات الوفيات، غير أن هذا المسار، على أهميته، لا يجيب عن السؤال الآني الذي يطرحه المتضررون بإلحاح: من يعوّض الخسائر؟ ومتى؟ وهو سؤال يظل معلقًا ما دام قرار التصنيف لم يصدر بعد.
بين الفاجعة والقرار المؤجَّل، يبرز إذن سؤال أعمق يتجاوز حالة آسفي وحدها: هل تُدار الكوارث بمنطق الوقاية والحماية الاجتماعية، أم بمنطق التريث المرتبط بالحسابات المالية؟ سؤال لا يهم فقط المتضررين اليوم، بل يمس جوهر الثقة في آليات التضامن، وفي قدرة السياسات العمومية على وضع الإنسان في صدارة الأولويات حين تختبرها الوقائع.
