لم تكن الفيضانات التي ضربت مدينة آسفي حادثًا طبيعيًا عابرًا، بل مأساة إنسانية كشفت هشاشة عميقة في تدبير المخاطر والاستعداد المسبق للكوارث.
ففي الوقت الذي خلّفت فيه هذه الفاجعة عشرات الضحايا والمصابين، اختار وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، أن يركّز في عرضه أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب على تعبئة القطاع الصحي والانتقال إلى ما سُمّي بـ“مخطط القرب”، في خطاب يقدّم التدخل بعد الكارثة باعتباره جوهر النقاش.
لا أحد يجادل في أهمية تدخل الأطقم الطبية والتمريضية، ولا في ضرورة ضمان استمرارية الخدمات الصحية في لحظة استثنائية.
غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الاستجابة، بل في تحويلها إلى عنوان وحيد يُغطي على الأسئلة الأعمق، المرتبطة بجاهزية المنظومة الصحية، وبقدرة السياسات العمومية على حماية الأرواح قبل أن تتحول إلى أرقام في حصيلة رسمية.
تحدّث الوزير عن تشغيل مستشفى محمد الخامس “بكل طاقاته”، وعن تفعيل مخطط الاستعجال منذ الساعات الأولى، دون أن يُرفق ذلك بمعطيات دقيقة حول عدد الحالات التي استقبلها المستشفى، أو حجم الضغط الذي عرفته مصالحه، أو حدود طاقته الاستيعابية في مواجهة وضع استثنائي. فالاستجابة، في منطق الحكامة، لا تُقاس بكثافة التصريحات، بل بوضوح الأرقام وشفافية التقييم.
أما الإعلان عن الانتقال إلى “مخطط القرب”، عبر تعبئة المراكز الصحية والوحدات المتنقلة، فيطرح سؤالًا مقلقًا: لماذا لم يكن هذا القرب الصحي قائمًا قبل الفاجعة؟ وهل نحن أمام سياسة مستدامة، أم أمام حل ظرفي لا يُفعَّل إلا تحت ضغط الكوارث؟ فالقرب الذي يولد من رحم الأزمات يظل هشًا، ما لم يتحول إلى خيار بنيوي دائم.
الأخطر أن التركيز على البعد الصحي وحده يُسهم في تفكيك المسؤولية بدل تجميعها. فالفيضانات لم تكن أزمة صحية في أصلها، بل نتيجة تراكم اختلالات في التخطيط الحضري، والبنية التحتية، وتدبير المجال.
وهي اختلالات لا يمكن معالجتها بمنطق الإسعاف بعد وقوع الضرر. وحين يُختزل النقاش في عدد الوحدات المتنقلة والأسِرّة المتوفرة، يُؤجَّل مرة أخرى السؤال السياسي الجوهري حول الوقاية والمحاسبة.
في آسفي، كما في مدن أخرى، يتكرّر السيناريو ذاته: كارثة، تدخل استعجالي، خطاب مطمئن، ثم عودة تدريجية إلى الصمت. وبين كل ذلك، يظل المواطن في مواجهة سؤال بسيط لا يجد جوابًا:
لماذا تتدخل الدولة دائمًا بعد أن تُفقد الأرواح، ولا تجعل منع الفاجعة أولوية قبل وقوعها؟
