تكشف الفيضانات المتكررة التي تضرب عدة مدن مغربية عن فشل واضح في تحويل التمويل الدولي الموجَّه للمناخ إلى سياسات وقائية تحمي المواطنين.
فبينما تتباهى الحكومة بتوقيع قروض بملايين اليوروهات تحت عنوان “التكيّف المناخي”، يظل الواقع الميداني شاهدًا على غياب الوقاية وارتباك التدبير، في مشهد يتكرر دون مؤشرات جدية على التعلم من الأخطاء.
يطرح هذا التناقض سؤالًا سياسيًا مباشرًا لم يعد قابلًا للتأجيل: كيف تبرّر الحكومة استمرار غرق الأحياء الهشة وتكرار الخسائر البشرية والمادية، رغم توفر تمويلات مخصّصة أصلًا للاستباق والحماية قبل وقوع الكوارث؟
شهدت السنوات الأخيرة توقيع المغرب سلسلة من القروض الدولية المرتبطة بالتغيرات المناخية، من بينها قرض بقيمة 100 مليون يورو من البنك الألماني للتنمية دخل حيّز التنفيذ سنة 2025، وقدّمت الحكومة هذا التمويل باعتباره خطوة لتعزيز ما تصفه بـ“المرونة المناخية”.
غير أن هذه اللغة التقنية تصطدم بواقع ميداني مغاير، حيث تتحول تساقطات مطرية محدودة إلى مآسٍ إنسانية، وتغيب التدخلات الوقائية التي كان يُفترض أن تسبق الخطر.
تعكس طريقة تدبير هذه القروض اختيارات حكومية لا تضع حماية المواطنين في صدارة الأولويات.
لا تظهر آثار التمويل في بنية وقائية قادرة على امتصاص السيول، ولا في تدخلات استباقية تحمي الأحياء المعرّضة للخطر، ولا في تخطيط حضري يحدّ من التوسع في مناطق الهشاشة.
يتجه الجزء الأكبر من هذه القروض نحو إعداد تقارير واستراتيجيات، ومواكبة تقنية وإدارية، وإدماج مفاهيم المناخ في وثائق التخطيط، دون أثر ملموس يشعر به المواطن.
يزداد هذا الإحساس بالهشاشة حين ننتقل من الوقاية إلى منطق التعويض.
تشترط الحكومة، وفق الإطار القانوني المعتمد، لتعويض المتضررين من الفيضانات أن تتجاوز “الواقعة الكارثية” 500 ساعة، أي ما يعادل 21 يومًا كاملة، حتى يفتح “صندوق الكوارث” أبوابه. يتحول التعويض، بهذا الشرط الزمني الصادم، من حق مرتبط بحجم الخسائر إلى مسطرة شبه مستحيلة، تُفرغ مفهوم التضامن من مضمونه، وتترك المتضررين في مواجهة الانتظار والغموض.
يكشف هذا الوضع انفصالًا مقلقًا بين خطاب الحكومة وواقع المواطنين.
تُدار القروض بلغة المؤشرات والالتزامات الدولية، بينما يُدبَّر التعويض بمنطق تقشفي صارم، لا يعترف بالمأساة إلا بعد استيفاء شروط زمنية لا علاقة لها بحجم الضرر. تتحول “المرونة المناخية” إلى مفهوم تجريدي، حين تعجز السياسات العمومية عن حماية السكان قبل الكارثة، ثم تعجز عن إنصافهم بعدها.
تؤكد الوقائع أن الوقاية من الفيضانات ليست مسألة تقنية معقدة، بل قرار سياسي واضح.
يفترض هذا القرار ضبطًا صارمًا للبناء في مجاري الأودية، وتحديثًا فعليًا لشبكات تصريف المياه، وتخطيطًا حضريًا قائمًا على خرائط المخاطر لا على منطق الترخيص السهل.
يفضح غياب هذه الاختيارات حقيقة مركزية مفادها أن المشكل لا يكمن في نقص الموارد، بل في ضعف الإرادة السياسية لتوظيفها حيث يجب.
يتعمّق الخلل أكثر في ظل غياب الشفافية.
لا تضع الحكومة رهن إشارة الرأي العام معطيات دقيقة حول كيفية صرف القروض المناخية، ولا تقييمًا مستقلاً لنجاعتها، ولا ربطًا واضحًا بين التمويل والنتائج الميدانية. تدخل هذه القروض إلى الميزانية، لكنها لا تدخل إلى حماية المدن، ولا تعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
تُظهر الحصيلة أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بندرة التمويل الدولي، بل بطريقة تدبيره سياسيًا.
تُوقَّع القروض باسم المناخ، ويُراكم الخطاب الرسمي لغة الطمأنة، بينما يُترك المواطن وحيدًا أمام السيول، بين وقاية غائبة وتعويض مشروط وانتظار طويل.
يظل السؤال المطروح اليوم سؤال مسؤولية لا شعارات:
هل تُستعمل قروض المناخ لحماية المغاربة فعليًا، أم لتجميل الخطاب الحكومي وتأثيث التقارير؟
