Economic Governance and Market Imbalances: Public Subsidies as a Lever for Profiteering
لم يعد اختلال السوق في المغرب مجرّد نتيجة ظرفية لتقلبات العرض والطلب أو لتداعيات أزمات دولية متلاحقة، بل أضحى معطىً بنيويًا يعكس حدود النموذج الاقتصادي المعتمد، وطبيعة الاختيارات التي حكمت تدبير السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة.
ففي ظل ما بات يُعرف بـ«الحكومة الاقتصادية»، برز الدعم العمومي كأداة مركزية في تدبير الظرفية، غير أن غياب الشفافية والضبط الصارم لمساره حوّله، في حالات عديدة، إلى عنصر مُغذٍّ لاختلالات السوق بدل أن يكون وسيلة لتصحيحها.
خلال السنوات الماضية، جرى التعامل مع الدعم العمومي باعتباره رافعة للحفاظ على الاستقرار وتأمين التوازنات، في سياق تقدّمت فيه المقاربة المالية والمؤشرات الماكرو-اقتصادية على منطق التنظيم الصارم للسوق.
هذا التوجّه، الذي قُدِّم بوصفه ضرورة اقتصادية، أفرز آثارًا غير مُعلنة على بنية السوق، وعلى طبيعة العلاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، حيث توسّعت هوامش الربح داخل سلاسل التوزيع في غياب آليات واضحة تربط الدعم بالأثر الفعلي على الأسعار.
في هذا السياق، لم يعد استمرار الغلاء مرتبطًا فقط بالعوامل الخارجية، بل أصبح نتيجة داخلية لسوق يشتغل بمنطق غير متوازن.
فحتى خلال الفترات التي شهدت فيها الأسواق الدولية تراجعًا في كلفة المواد الأولية أو أسعار الاستيراد، ظل السوق الوطني يُظهر مقاومة لافتة لانخفاض الأسعار، ما يعكس ضعف أدوات المراقبة، وتراخي الردع أمام الاحتكار والمضاربة، وغياب تتبّع دقيق لكيفية انعكاس الدعم العمومي داخل السوق.
ضمن هذا الإطار، برزت «الفراقشية» لا كظاهرة سلوكية معزولة، بل كنتيجة مباشرة لاختيارات حكومية جعلت من الدعم العمومي عنصرًا غير محكوم بشروط شفافية صارمة.
فحين يُضخّ المال العام في السوق دون وضوح في مساره، ودون معايير معلنة لقياس أثره، تتحوّل الظرفيات الاقتصادية إلى فرص ربح لفئات محدودة، بينما يتحمّل المستهلك كلفة الغلاء دون أن تتضح حدود المسؤولية أو الاستفادة.
الدعم العمومي، في هذا السياق، لم يختف أثره، لكنه تغيّر موقعه. فقد بدا أثره أكثر وضوحًا في توازنات بعض الفاعلين الاقتصاديين واستقرار مواقعهم داخل السوق، أكثر مما بدا في تخفيف الضغط على المستهلك أو في كبح جماح الأسعار.
وهنا تتجلّى مفارقة الحكومة الاقتصادية: تدخل مالي واسع، مقابل استمرار اختلالات السوق، واتساع الهوة بين الخطاب الاقتصادي والواقع المعيشي.
الحق في المعلومة… الغائب الحاضر في اختلال السوق
لا يمكن تفكيك دور الدعم العمومي في اختلال السوق دون التوقف عند مسألة الحق في الحصول على المعلومة، باعتبارها أحد الأسس الجوهرية للحكامة الاقتصادية.
فالدعم، بحكم تمويله من المال العام، يفترض أن يخضع لأقصى درجات الشفافية، سواء من حيث حجم الاعتمادات المرصودة، أو معايير الاستفادة، أو هوية المستفيدين، أو الالتزامات المرتبطة بها.
ورغم الإطار القانوني الذي يُقرّ مبدئيًا بحق الولوج إلى المعلومة المرتبطة بتدبير الشأن العام، تُظهر الممارسة أن هذا الحق يظل محدود التفعيل عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل الدعم العمومي.
فغياب نشر منتظم ومفصّل لمعطيات المستفيدين، وحجم الدعم الممنوح، وشروطه، يُصعّب تقييم الأثر الحقيقي لهذا الدعم، ويُضعف قدرة الرأي العام والمؤسسات الرقابية على مساءلة السياسات العمومية.
هذا الغموض لا يُعدّ مسألة تقنية في التواصل فقط، بل يتحوّل إلى عنصر من عناصر اختلال السوق.
فحين تُحجب المعلومة، تُربك المنافسة، ويُفتح المجال أمام الشك، ويتعزّز الإحساس بأن الدعم قد يُدار بمنطق انتقائي، حتى في غياب أي خرق قانوني مُثبت.
وهكذا، يصبح غياب المعلومة في حدّ ذاته جزءًا من المشكلة، لأنه يُضعف الثقة ويحول دون التقييم الموضوعي.
في ظل هذا السياق، يجد المستهلك نفسه خارج معادلة الوضوح: أسعار مرتفعة، دعم لا يُعرف مساره بدقة، وسوق تفتقر إلى قواعد شفافة تضمن عدالة المنافسة.
هذا الواقع لا يؤثر فقط على القدرة الشرائية، بل يُراكم توترًا اجتماعيًا صامتًا، نابعًا من الإحساس بأن المال العام يُضخّ دون أن يكون أثره واضحًا أو قابلًا للتتبّع.
إن اختلال السوق في ظل الحكومة الاقتصادية لا يمكن فصله عن الطريقة التي يُدار بها الدعم العمومي، ولا عن محدودية تفعيل الحق في المعلومة.
فحين يغيب الوضوح، ويتراجع الربط بين الدعم والأثر، تتحوّل الفراقشية من ظاهرة هامشية إلى فاعل اقتصادي مستفيد من بنية سوق مختلّة.
وفي غياب مراجعة حقيقية لهذا المسار، يظل الدعم العمومي رافعة لإعادة إنتاج الاختلال، وتظل حماية المستهلك في موقع ثانوي داخل معادلة القرار الاقتصادي.
