يفتح النقاش البرلماني الدائر حول مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار نقاشًا أوسع حول فلسفة التشريع وحدود التفصيل في القوانين التنظيمية، في ظل تباين واضح بين توجه حكومي يراهن على المرونة، ومطالب معارضة تدعو إلى مزيد من الضبط والتحصين القانوني.
كشفت مصادر إعلامية أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، عبّر داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب عن رفضه إدراج آجال زمنية محددة لإعداد المخطط المديري للتعليم العالي والبحث العلمي وتحيينه، معتبراً أن تقييد هذا المسار بتواريخ مضبوطة قد يحدّ من فعالية التدبير، وأن إعداد الوثيقة الاستراتيجية ينبغي أن يتم “حين تكتمل شروطه”.
وشدد ميداوي على أن مشروع القانون لا ينبغي أن يتحول إلى نص مثقل بالتفاصيل، موضحاً أن عدداً من التعديلات المقترحة من طرف فرق المعارضة تعيد التنصيص على مقتضيات محسومة ومضمونة سلفاً في الدستور وفي القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، من قبيل القيم الوطنية، وجودة التكوين، وضمان الحق في التعليم العالي.
هذا التوجه الحكومي قوبل بتحفظات داخل اللجنة، حيث اعتبرت فرق معارضة أن غياب الآجال الواضحة يفرغ التخطيط الاستراتيجي من طابعه الإلزامي، ويحدّ من إمكانية تتبع تنزيل الإصلاح وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وترى هذه الفرق أن تحديد المدد الزمنية لا يتعارض مع المرونة، بل يشكل أحد مرتكزات الحكامة الجيدة وضمان استمرارية السياسات العمومية.
دفاع الوزير شمل أيضاً خيار “التعاضد في الموارد بين القطاعين العام والخاص”، حيث رفض تعديلات ترمي إلى تقييده، مؤكداً أن الجامعة العمومية لا يمكن عزلها عن محيطها، وأن الشراكة مع مؤسسات خاصة وغير ربحية مكّنت الجامعات من تجهيزات وفرص مهمة، خاصة خلال مرحلة ما بعد جائحة كورونا.
هذا الطرح يثير، لدى منتقديه، تساؤلات حول غياب إطار قانوني دقيق يحدّد شروط هذه الشراكات وضماناتها، ويحمي استقلالية الجامعة العمومية ومبدأ تكافؤ الفرص، في ظل تخوفات مرتبطة بتوازن العلاقة بين القطاعين العام والخاص.
موقف الحكومة شمل كذلك رفض إدراج مقتضى صريح يلزم الجامعات العمومية بضمان مجانية التمدرس في جميع أسلاك التعليم العالي، بدعوى أن هذا المبدأ منصوص عليه في القانون الإطار ولا يحتمل أي تنصّل.
هذا الاختيار أعاد إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول مدى كفاية الإحالة على القوانين الإطارية، وحاجة القوانين التنظيمية إلى تحصين المبادئ الأساسية بنصوص واضحة غير قابلة للتأويل.
مسار مناقشة مشروع القانون 59.24 يعكس، في المحصلة، اختلافاً في الرؤية بين مقاربة حكومية تفضّل الحفاظ على هامش واسع من المرونة التدبيرية، ومقاربة برلمانية معارضة تسعى إلى تعزيز الإلزامية القانونية وضبط مسارات الإصلاح.
وبين هذين الخيارين، يظل الرهان معلقاً بقدرة النص النهائي على تحقيق توازن فعلي بين النجاعة، والوضوح، والمساءلة.
