When Public Subsidies Turn into a Lever for Mediocrity: A Parliamentary Question Opens the Media and Cinema Funding File
أعاد سؤال كتابي وجّهه النائب البرلماني محمد والزين، عن الفريق الحركي، إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، النقاش حول منظومة الدعم العمومي الموجّه لقطاعي الصحافة والإنتاج السينمائي، في ظل تصاعد الانتقادات المرتبطة بغياب الحكامة، وضعف الشفافية، وتنامي الإحساس العام بانفصال هذا الدعم عن أهدافه المعلنة.
المساءلة البرلمانية لا تندرج ضمن سجال سياسي عابر، بل تلامس وظيفة الدعم العمومي باعتباره آلية لتقوية الجودة المهنية، وضمان التعددية، والنهوض بالفعل الثقافي، لا وسيلة لتكريس الرداءة أو إعادة توزيع المال العام خارج منطق الأثر والقيمة.
يشير مضمون السؤال إلى مفارقة لافتة بين فلسفة الدعم كما يحددها الإطار القانوني، وبين مخرجاته على أرض الواقع.
فبدل توجيهه إلى مقاولات صحفية مهنية تحترم أخلاقيات المهنة، وتضمن حقوق الصحافيين، وتنتج محتوى مسؤولًا، تسجَّل استفادة منصات ومنابر رقمية معروفة بمحتوى سطحي وإثارة تجارية، دون أثر معرفي أو مجتمعي يُذكر.
هذا الواقع يطرح إشكالًا مؤسساتيًا يتجاوز تقييم المحتوى إلى مساءلة المعايير المعتمدة في الانتقاء، وآليات التتبع والمراقبة، ومدى انسجامها مع الحق الدستوري للمواطن في إعلام ذي جودة وتعددية حقيقية.
وفي ما يتعلق بالإنتاج السينمائي، يسلط السؤال البرلماني الضوء على استمرار استفادة أعمال تفتقر إلى القيمة الفنية والثقافية من الدعم العمومي، مقابل إقصاء طاقات إبداعية مستقلة، في غياب تقييم واضح للأثر الثقافي والجماهيري، وغياب ربط الدعم بنتائج قابلة للقياس.
وتعيد هذه المعطيات طرح سؤال استقلالية لجان الدعم، ومعايير اشتغالها، وحدود المسؤولية في توجيه المال العام نحو أعمال تحقق الإشعاع الثقافي وتخدم الذوق العام، بدل الاكتفاء بمنطق الإنتاج دون أثر.
ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش في مضمون المساءلة، التحفظ على اعتماد المعايير التجارية ورقم المعاملات كمحدد أساسي في الاستفادة أو التمثيلية داخل الهيئات المنظمة للقطاع.
هذا التوجه، إن تأكد، يطرح إشكالًا عميقًا حول طبيعة النموذج الإعلامي المراد تكريسه: هل تُقاس المصداقية المهنية بحجم المعاملات، أم بمدى احترام أخلاقيات المهنة، والتأثير المجتمعي، وجودة المحتوى؟ فالانتقال من منطق الرسالة إلى منطق السوق الصرف يهدد بتحويل الإعلام من خدمة عمومية ذات بعد ديمقراطي، إلى نشاط تجاري تحكمه موازين القوة المالية.
وفي خلفية هذه المساءلة، يبرز مطلب مركزي يتعلق بنشر لوائح المستفيدين من الدعم العمومي، وقيمة المبالغ المرصودة لكل مستفيد، وكشف نتائج المراقبة والتقييم، ومدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كما ينص عليه الدستور.
فالإشكال لم يعد محصورًا في من استفاد من الدعم، بل في مردودية هذا الدعم وجدواه الثقافية والمهنية، وقدرته على خدمة الصالح العام بدل تغذية مظاهر الريع المقنّع.
ما يطرحه سؤال محمد والزين لا يقتصر على مساءلة قطاع بعينه، بل يعكس خللًا بنيويًا في تصور الدعم العمومي، بين من يعتبره استثمارًا في الوعي والثقافة، ومن يتعامل معه كآلية تقنية لتدبير الظرفية دون رؤية إصلاحية واضحة.
والرهان اليوم لا يكمن فقط في مضمون جواب الوزارة المنتظر، بل في ما إذا كانت هذه المساءلة ستفتح فعليًا مسار مراجعة شاملة لمنظومة الدعم، تعيد ربط المال العام بالجودة، والأثر، والمسؤولية.
