Political Bourgeoisie in Morocco: When Power Becomes an Extension of Capital
لم يعد مفهوم البورجوازية السياسية في المغرب يقتصر على توصيف نظري يُستحضر في النقاشات الأكاديمية، بل بات إطارًا تحليليًا يتيح فهم التحولات العميقة التي عرفها المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع صعود فاعلين يجمعون بين النفوذ الاقتصادي ومواقع القرار العمومي.
هذا التحول، الذي يتم بهدوء ودون صدامات ظاهرة، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول وظيفة السياسة وحدود الفصل بين منطق السوق ومتطلبات التمثيل الديمقراطي.
في هذا السياق، يبرز حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، كحالة دالة على هذا المسار.
فالحزب، في بنيته وخطابه وممارسته، يعكس انتقال مركز الثقل من السياسة باعتبارها فضاءً للتنافس بين مشاريع اجتماعية، إلى السياسة باعتبارها آلية لتدبير التوازنات الاقتصادية وضمان الاستقرار المالي.
وهو انتقال لا يمكن عزله عن الخلفية الاقتصادية لقيادته، ولا عن السياق العام الذي عرف تراجع الأحزاب ذات الامتداد الاجتماعي التقليدي.
تاريخيًا، ظل التداخل بين الثروة والسلطة حاضرًا في التجربة المغربية، لكن غالبًا ضمن صيغ غير مباشرة، تحافظ على مسافة شكلية بين رجل الأعمال وصانع القرار.
غير أن المرحلة الراهنة تتميز بتقلص هذه المسافة إلى حد كبير، حيث أصبح الفاعل الاقتصادي حاضرًا في قلب القرار السياسي، لا بوصفه فاعل ضغط من الخلف، بل باعتباره مسؤولًا تنفيذيًا مباشرًا، يشارك في صياغة الأولويات العمومية وتحديد منطق التدخل.
ضمن هذا الإطار، لم يتطور حزب التجمع الوطني للأحرار كحزب قائم على مرجعية فكرية أو سردية نضالية واضحة، بقدر ما تشكّل كتنظيم مرن، قادر على استيعاب نخب اقتصادية وأعيان محليين، في بنية يغلب عليها منطق التدبير والنجاعة.
هذا الخيار التنظيمي منح الحزب قدرة عالية على الانتشار داخل المؤسسات، لكنه في المقابل أضعف ارتباطه بالقواعد الاجتماعية الواسعة، وحوّل العلاقة مع الناخب إلى علاقة تقوم على الوعود العامة أكثر من البرامج الاجتماعية المفصلة.
ومع تولي الحزب رئاسة الحكومة، انعكس هذا التوجه على طبيعة السياسات العمومية، حيث أصبح الخطاب الرسمي يركّز بشكل واضح على المؤشرات الماكرو-اقتصادية، وضبط التوازنات المالية، وتحفيز الاستثمار، مقابل حضور أقل لخطاب العدالة الاجتماعية وإعادة التوزيع. هذا التوازن في الخطاب لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي الدولي، لكنه يطرح، في الوقت نفسه، سؤال الأولويات في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتنامي الإحساس الاجتماعي بتآكل القدرة الشرائية.
اللافت في هذا المسار أن هذه التحولات لم تُنتج ضغطًا سياسيًا مباشرًا على الحزب القائد للحكومة، كما كان يحدث في مراحل سابقة مع أحزاب ذات قواعد اجتماعية أكثر تجذرًا.
ويُفسَّر هذا المعطى جزئيًا بطبيعة البورجوازية السياسية، التي تقل فيها الكلفة الانتخابية للقرارات غير الشعبية، ويُعاد فيها تأطير السياسات الاجتماعية ضمن خطاب تقني يربط الاختلالات بعوامل ظرفية أو خارجية.
في هذا السياق، يظل موضوع تضارب المصالح حاضرًا في النقاش العمومي، ليس من زاوية الاتهام المباشر، بل من زاوية الإشكال البنيوي.
فحين يجتمع القرار العمومي ورأس المال داخل الدائرة نفسها، حتى في ظل احترام القوانين المعمول بها، يصبح الإحساس العام بعدم تكافؤ الفرص أكثر حضورًا، وتتراجع الثقة في حياد السياسات العمومية، خصوصًا في ما يتعلق بالدعم والتحفيزات والاختيارات الاقتصادية الكبرى.
ويمتد أثر هذا النموذج إلى الحقل الحزبي نفسه، حيث تُلاحظ نزعة متزايدة نحو تهميش الوظيفة التأطيرية للأحزاب، مقابل تعزيز دورها كآليات انتخابية لتجميع النخب.
وهو ما يساهم في إضعاف الوساطة السياسية، ويعمّق الفجوة بين المؤسسات والمجتمع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أحزاب قادرة على تأطير النقاش العمومي وامتصاص التوترات الاجتماعية بدل ترحيلها.
في المحصلة، تعكس البورجوازية السياسية، كما تتجلى في التجربة الحكومية الحالية، تحولًا هادئًا لكنه عميق في ممارسة السلطة، يقوم على إعادة تعريف دور السياسة وحدودها، وتحويلها من أداة للتمثيل الاجتماعي إلى آلية لتدبير المصالح والتوازنات الاقتصادية.
تحولٌ يراهن على الاستقرار والنجاعة، لكنه يترك في المقابل أسئلة ثقيلة تتعلق بالثقة، والتمثيل، والتوازن الاجتماعي، وهي عناصر تظل حاسمة في أي مسار سياسي مستدام.
