El Tehraoui Puts His Finger on the Wound… So Who Will Be Held Accountable for Years of Neglect?
التهراوي قال ما لم يُقَل سابقًا، لكن الاعتراف وحده لا يشفي منظومة صحية أنهكها الإهمال وتنتظر اليوم أكثر من تشخيص.
كشفت مداخلة وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية بمجلس النواب، اليوم الإثنين، عن لحظة سياسية لافتة في تدبير ملف الصحة العمومية.
لحظة لم تكتسب أهميتها فقط من حجم الأرقام والمعطيات التي قُدِّمت، بل أساسًا من التحول الواضح في نبرة الخطاب الرسمي، الذي اختار هذه المرة تسمية الأشياء بأسمائها: المستشفيات العمومية المغربية تعاني اختلالات بنيوية متراكمة، مست البنيات والتجهيزات والموارد البشرية وجودة الاستقبال.
هذا الاعتراف لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر داخل سياق برلماني روتيني، بل كمؤشر على انتقال نسبي من خطاب التبرير التقني إلى خطاب التشخيص الصريح.
فمن جهة، يقطع مع سنوات كان فيها ضغط الطلب أو الظرفية شماعة جاهزة لتفسير الأعطاب، ومن جهة ثانية، يعيد إلى الواجهة سؤالًا سياسيًا ظل مؤجلًا طويلًا: من يتحمّل مسؤولية هذا التراكم البنيوي الذي لم يعد ممكنًا إخفاؤه بعد تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وما رافقه من ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الخدمات الصحية؟
قدّم الوزير تشخيصًا يعتبر أن الأزمة ليست طارئة ولا ظرفية، بل نتيجة مسار ممتد من الاختلالات، وهو توصيف دقيق من حيث الشكل.
غير أن الإشكال لا يكمن في دقة التشخيص بقدر ما يكمن في موقعه داخل الخطاب السياسي. فالتشخيص، كما طُرح اليوم داخل البرلمان، بدا وكأنه نقطة بداية لإصلاح جديد، دون أن يُربط صراحة بمساءلة الاختيارات العمومية السابقة، أو بتقييم سياسي واضح لنجاعة السياسات التي أُنجزت خلال السنوات الماضية وأسهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج الوضع الحالي.
في عرض الحلول، راهن الخطاب الحكومي على منطق مزدوج: إصلاح هيكلي طويل المدى، وإجراءات استعجالية لتحسين الوضع اليومي داخل المستشفيات.
وتم استحضار القانون-الإطار 06.22 كمرجعية وطنية، إلى جانب الخريطة الصحية الوطنية، والاستثمار في البنيات التحتية، وتوسيع العرض الاستشفائي، وتعزيز التكوين الطبي، مع الاستناد إلى أرقام تتعلق بعدد الأسرة، والمراكز الصحية، والمستشفيات الجهوية والجامعية، في محاولة لإبراز حجم المجهود المبذول.
غير أن وفرة الأرقام، رغم أهميتها، تطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه: هل تكفي لغة السعة الاستيعابية والمؤشرات الكمية لتقييم جودة المنظومة الصحية؟ فالمعضلة التي يعيشها المواطن داخل المستشفى العمومي لا تختزل في عدد الأسرة أو المباني الجديدة، بل تتجسد في الزمن العلاجي، وتوفر الأطر الطبية، واستمرارية الخدمات، وجودة الاستقبال، واحترام كرامة المريض داخل أقسام تعرف ضغطًا يوميًا واختلالًا في التنظيم والتدبير.
هنا يظهر الفرق بين الإصلاح كما يُصاغ في الوثائق والتقارير، والإصلاح كما يُختبر فعليًا في قاعات الانتظار وأقسام المستعجلات.
فالمواطن الذي يواجه خصاص الأطباء، أو تأخر التدخلات الطبية، أو انقطاع الأدوية، لا يقرأ الخريطة الصحية الوطنية بقدر ما يقرأ تجربته اليومية مع المرفق العمومي.
وهو ما يجعل الرهان على الزمن المتوسط والطويل، رغم مشروعيته من حيث التخطيط، غير كافٍ سياسيًا واجتماعيًا دون أثر ملموس وسريع.
إطلاق مخطط الاستعجال لدعم الصحة (PRS) يندرج في هذا السياق، بوصفه محاولة لمعالجة الأعطاب اليومية داخل المستشفيات.
غير أن هذا المخطط، كما قُدِّم اليوم داخل البرلمان، ما يزال محاطًا بأسئلة حاسمة تتعلق بآليات التنزيل، ومؤشرات قياس النجاح، والآجال الزمنية، وكيفية ضمان عدم تحوّله إلى تدخل تقني ظرفي يعالج الأعراض دون أن يلامس جذور الخلل البنيوي.
الأخطر في هذا الملف ليس الاعتراف بوجود الأزمة، بل خطر تطبيعها داخل خطاب عمومي يُديرها بمنطق “الانتقال المنظم” بدل الحسم السياسي.
فحين تتحول الاختلالات البنيوية إلى معطى عادي في النقاش العمومي، يصبح التحدي الحقيقي هو تفادي التعايش معها، خصوصًا في قطاع يرتبط مباشرة بالحق في الحياة، والرعاية الصحية، والعدالة الاجتماعية.
ما قيل اليوم تحت قبة البرلمان يشي بوجود إرادة إصلاح، لكنه يكشف في الآن ذاته عن فجوة قائمة بين منطق التخطيط ومنطق الثقة.
فإصلاح المنظومة الصحية لا يُقاس فقط بعدد المشاريع المبرمجة أو بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرتها على استعادة ثقة المواطن في المستشفى العمومي، وتحويل الاعتراف بالأزمة من خطاب سياسي إلى التزام عملي قابل للتتبع والمحاسبة.
ذلك هو الامتحان الحقيقي اليوم: ليس كيف نُعلن عن الإصلاح، بل كيف نجعل نتائجه محسوسة في الزمن القريب، قبل أن يتحول “الزمن الطويل” مرة أخرى إلى ذريعة سياسية تُؤجّل سؤال المسؤولية بدل أن تجيب عنه.
