Nizar Baraka Reduces the Safi Tragedy to Rain… and Sidesteps the Question of Urban Planning
خرج وزير التجهيز والماء، نزار بركة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، ليقدّم تفسيرًا رسميًا لما شهدته مدينة آسفي من فيضانات، مُرجعًا ما وقع إلى تساقطات مطرية فجائية ومركزة، نزلت في فترة زمنية وجيزة وداخل المجال الحضري، متجاوزة ما كان متوقعًا في النشرات الجوية.
وأوضح الوزير أن التوقعات لم تتعدَّ 35 ميليمترًا، وهي كمية بحسب المعايير المعتمدة لا تستوجب رفع مستوى الإنذار إلى البرتقالي، بل الاكتفاء بالمستوى الأصفر.
غير أن هذا التوضيح، الذي بدا متماسكًا تقنيًا، سرعان ما اصطدم بواقع ميداني كشف محدودية منطق التوقعات التقليدية في زمن تتغير فيه طبيعة المخاطر المناخية.
فحين يعترف المسؤول الحكومي بأن السد المخصص للحماية من الفيضانات، والواقع على بعد نحو تسعة كيلومترات من المدينة، لم يستقبل سوى 200 ألف متر مكعب، رغم أن طاقته الاستيعابية تصل إلى 3.5 ملايين متر مكعب، فإن الإشكال لا يعود مرتبطًا بامتلاء السد أو عجزه، بقدر ما يرتبط بمسار المياه داخل النسيج الحضري، وهو ما يطرح سؤال التخطيط العمراني قبل سؤال الطقس.
الخطاب الرسمي ركّز على “تمركز التساقطات وسط المدينة”، لكنه لم يتوقف بما يكفي عند أسباب هذا التمركز، ولا عند مسؤولية السياسات التي سمحت بتوسع عمراني لم يراعِ المسارات الطبيعية لتصريف المياه، ولا قدرة البنية التحتية على استيعاب ظواهر باتت متكررة.
حديث الوزير عن عدم تفعيل الإنذار البرتقالي أعاد إلى الواجهة إشكالًا أعمق:
هل ما تزال منظومة الإنذار المبكر تعتمد مقاييس قادرة على التقاط المخاطر الجديدة، أم أنها ما تزال أسيرة حساب الكميات الإجمالية، متجاهلة عامل الزمن والتمركز المجالي؟
ورغم إعلان إطلاق دراسات لتوسيع مصب الوادي، واعتماد حلول طبيعية، وتحديث أطلس المناطق المعرضة للفيضانات، فإن هذه الالتزامات قُدِّمت بصيغة المستقبل، بما يعكس أن الوقاية ظلت، إلى حدود وقوع الفاجعة، غير مكتملة أو غير مُحيَّنة.
فالدراسة بعد الكارثة، مهما بلغت أهميتها، لا تُعفي من مساءلة ما لم يُنجز قبلها.
في المقابل، استحضر الوزير التعليمات الملكية المتعلقة بإعادة تأهيل المناطق المتضررة وتعويض الأسر المتضررة، وهو بُعد إنساني واجتماعي لا نقاش حول ضرورته.
غير أن هذا المعطى، على أهميته، لا ينبغي أن يُحوّل النقاش من مساءلة السياسات العمومية إلى الاكتفاء بمنطق التدخل بعد وقوع الضرر.
والمفارقة أن الوزير نفسه استشهد بحالة أوريكا، حيث مكّن الإنذار المبكر من تفادي تسجيل ضحايا، ما يعني أن الأدوات موجودة حين تُفعَّل في الوقت المناسب. وهو ما يجعل ما وقع في آسفي ليس مجرد حادث طبيعي معزول، بل نتيجة فجوة بين المعرفة التقنية، والقرار الوقائي، والتخطيط الحضري.
في النهاية، خرج الوزير ليشرح ما وقع، لكنه لم يجب عن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل كانت آسفي ضحية مطر استثنائي فقط، أم ضحية اختيارات تراكمت دون مراجعة حقيقية لمنظومة الوقاية؟
سؤال يظل مفتوحًا، في انتظار أن ينتقل النقاش من تفسير الظاهرة إلى مساءلة منطق تدبيرها.
