When an Exception Is Opened in the Constitution… Who Is Trying to Change the Rules of the Game?
لم يكن النقاش الذي احتدم، أمس الإثنين، داخل مجلس النواب حول تعديل شروط عضوية المحكمة الدستورية مجرد اختلاف تقني في الصياغة القانونية، بل لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح سؤال ثقيل ظل، لسنوات، خارج التداول: إلى أي حد يمكن تكييف القواعد الدستورية دون المساس بروحها؟
فخلال جلسة تشريعية عمومية، صادق المجلس بالأغلبية على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، في خطوة فجّرت جدلًا دستوريًا وسياسيًا حادًا، خصوصًا في ظل رفض الحكومة لأي تعديل مقترح من طرف المعارضة، والتعامل مع النقاش باعتباره منتهيًا عند حدود “سدّ فراغ تشريعي” وضمان “الاستقرار المؤسساتي”.
غير أن هذا التبرير لم يكن كافيًا لتهدئة المخاوف.
فالفصل 130 من الدستور لم يُكتب بلغة رمادية أو قابلة للتأويل الواسع، بل جاء واضحًا وحاسمًا في فلسفته: عضوية المحكمة الدستورية محددة في تسع سنوات غير قابلة للتجديد، حمايةً لاستقلالها، وتحصينًا لها من منطق الامتداد والحسابات السياسية.
التعديل المصادق عليه، وإن قُدّم بعبارات تقنية مطمئنة، يفتح عمليًا باب استثناء جديد، يسمح بإعادة طرح سؤال “إتمام المدة” وحدود “عدم التجديد”.
وهو ما يجعل الجدل يتجاوز النص ليصل إلى المبدأ: هل نحن أمام معالجة تقنية ظرفية، أم أمام إعادة ترتيب هادئة لقواعد مؤسسة يُفترض أن تكون فوق منطق اللحظة السياسية؟
في هذا السياق، شدد سعيد بعزيز، النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، على أن الفصل 130 من الدستور واضح ولا يحتمل أي تأويل توسّعي، مؤكّدًا أنه يقوم على مبدئين صريحين: عدم تجاوز مدة تسع سنوات، وعدم تجديد العضوية.
وتساءل بلهجة مباشرة عن مبرر فتح هذا الهامش اليوم، محذرًا من أن ذلك يبعث برسالة سلبية حول صلابة الاختيارات الدستورية، ويطرح شبهة “تشريع على المقاس”.
الموقف ذاته عبّرت عنه المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، التي دعت إلى حذف المادة المثيرة للجدل، معتبرة أن التعديل لا ينسجم مع الدستور ولا مع فلسفة القانون التنظيمي، ويُهدد استقلالية القضاء الدستوري، ويُنتج نوعًا من عدم تكافؤ الفرص داخل مؤسسة يُفترض أن تظل بمنأى عن منطق التمييز أو الحسابات السياسية.
في المقابل، دافع عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، عن التعديل، معتبرًا أن الجدل المثار لا يستند إلى أساس واقعي، متسائلًا عن خلفية الحديث عن “تشريع على المقاس”، ما دام تعيين أعضاء المحكمة الدستورية يتم من طرف البرلمان والملك، ومشدّدًا على أن قرارات التعيين ذات طبيعة سيادية.
وساند هذا التوجه زينة ادحلي، النائبة عن فريق التجمع الوطني للأحرار، التي اعتبرت أن المقتضى الجديد يهدف إلى سدّ فراغ تشريعي وضمان الاستقرار المؤسساتي، مستشهدة بالقانون المقارن، ولا سيما النموذج الفرنسي، الذي يسمح بإعادة تعيين العضو الذي لم يُكمل سوى مدة قصيرة من ولاية سلفه، مع التأكيد على أن الاختصاص النهائي في التعيين يبقى بيد الملك.
غير أن هذه التبريرات لم تُقنع المعارضة.
فقد عاد سعيد بعزيز للتأكيد على أن النقاش لا يهم القرارات السيادية، بل يتعلق بتقوية المؤسسات واحترام منطق الدستور، متسائلًا عن عدالة منح عضو إمكانية البقاء اثنتي عشرة سنة، مقابل حرمان آخر قضى ثلاث سنوات فقط من ولاية جديدة.
من جهته، شدد عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، على أن الملك هو الضامن لاحترام الدستور، غير أن البرلمان معنيّ بمساءلة احترام الفصل 130 نفسه، متسائلًا بصيغة مباشرة: لماذا الآن؟ ومن المعني بهذا التعديل في هذا التوقيت؟، معتبرًا أن توقيت التعديل يعزز الانطباع بكونه تشريعًا مفصّلًا على مقاس وضعية قائمة.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون النقاش حول حسن النيات، بل حول أثر القرارات على المدى البعيد. لأن الدستور، حين يبدأ في التكيّف مع الظرف، يفقد تدريجيًا دوره كمرجعية ضابطة، ويتحول إلى نص قابل للتأويل حسب ميزان القوة السياسية.
ما جرى، أمس الإثنين، داخل البرلمان ليس تفصيلًا عابرًا، بل اختبار حقيقي لمدى صلابة الاختيارات الدستورية، ولقدرة الفاعل السياسي على التمييز بين سدّ الفراغ… وفتح الباب.
هل فُتح الاستثناء لحماية المؤسسة؟ أم لتبديل قواعد اللعبة؟
