“The ‘Opportunists of Journalism’ in Ouzine’s Crosshairs… For Whom Is the Press Council Law Tailored?”
لم يكن ما جرى داخل لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، يوم 22 دجنبر 2025، مجرد محطة تشريعية عادية في مسار مشروع القانون رقم 06.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بل لحظة سياسية كاشفة، أظهرت بوضوح طبيعة المقاربة التي اختارتها الحكومة في تدبير أحد أكثر الملفات حساسية، والمتعلق بتنظيم الصحافة وحدود استقلاليتها.
إسقاط جميع التعديلات التي تقدّمت بها مكونات المعارضة، دون استثناء، لم يفتح فقط باب الجدل حول مضمون المشروع، بل طرح سؤالًا أعمق حول منهج التشريع نفسه، وحول معنى الإصلاح حين يتحول إلى تمرين عددي محض، منفصل عن التوافق المهني وعن النقاش العمومي الذي يفترض أن يؤطر قوانين من هذا الوزن.
الخطاب المدافع عمّا جرى داخل اللجنة حاول الاحتماء بالتقنية البرلمانية، عبر التذكير بطبيعة عمل اللجان، وصلاحيات رؤسائها، وآليات التصويت.
غير أن هذا التبرير لم يكن كافيًا لإخفاء جوهر المسألة، إذ اعتبر عدد من الفاعلين المهنيين والنقابيين أن الأمر يتعلق بقانون يُمرَّر رغم رفضه من طرف الغالبية العظمى من الجسم الصحفي، في تعارض صريح مع فلسفة التنظيم الذاتي التي قامت عليها مدونة الصحافة والنشر.
هذا المعطى لم يصدر فقط عن الهيئات المهنية، بل جاء أيضًا في تدوينة صريحة نشرها البرلماني محمد أوزين على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك عقب تصويت اللجنة، حيث أقرّ بأن الحكومة وأغلبيتها الرقمية “حريصة شديد الحرص على تمرير قانون ضد إرادة الغالبية العظمى من نساء ورجال الإعلام، ومعهم الجمهور العريض”.
تصريح لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي، بقدر ما يعكس اعترافًا واضحًا بأن منطق الغلبة العددية هو الذي حسم المسار، لا منطق التوافق ولا روح الشراكة مع المهنيين.
الأكثر دلالة في التدوينة ذاتها هو ربط تمرير المشروع بما سماه “ترضية فراقشية الصحافة”، في توصيف مباشر يعيد النقاش إلى منطق الريع داخل الحقل الإعلامي، ويطرح سؤالًا محرجًا حول الجهة المستفيدة من إعادة هندسة المجلس الوطني للصحافة بهذه الصيغة.
فبدل أن يُقدَّم المشروع كرافعة لحماية أخلاقيات المهنة وتجفيف منابع التفاهة، بات يُنظر إليه، من طرف منتقديه، كآلية قد تفتح المجال أمام مزيد من الرداءة، تحت غطاء التنظيم.
في المقابل، يواصل الوزير الوصي على قطاع التواصل، محمد مهدي بنسعيد، الدفاع عن المشروع باعتباره إصلاحًا ضروريًا، مع التشبث بالصيغة التي صادق عليها مجلس النواب، ورفض إدخال أي تعديل عليها.
هذا الإصرار، بحسب معارضي المشروع، لا يعكس قوة النص بقدر ما يعكس ضعف الرغبة في الإنصات، سواء للمهنيين أو للمؤسسات الدستورية الاستشارية التي سبق أن نبّهت إلى اختلالات بنيوية في المشروع.
وتذهب هذه القراءات إلى اعتبار أن الإشكال لا يكمن فقط في التفاصيل التقنية، بل في الرسالة السياسية التي يحملها القانون، رسالة توحي بأن الصحافة تُدار كقطاع يجب ضبطه والتحكم في توازناته، لا كسلطة مجتمعية تحتاج إلى تحصين استقلالها وضمان تعدديتها.
أمام هذا الوضع، أعلنت الهيئات النقابية والمهنية نيتها خوض برنامج احتجاجي تدريجي، وفتح قنوات الترافع لدى المؤسسات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة، في خطوة تعكس قناعة متزايدة بأن المعركة لم تعد تقنية أو تشريعية فقط، بل معركة حول موقع الصحافة داخل البناء الديمقراطي وحدود علاقتها بالسلطة.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان القانون سيمر، فالأغلبية الرقمية قادرة على ذلك، بل السؤال الحقيقي هو: أي نموذج للصحافة يُراد تكريسه؟
صحافة مستقلة قائمة على التنظيم الذاتي والانتخاب والتعددية، أم قطاع مؤطر بمنطق الغلبة والضبط؟
إلى أن يتضح الجواب، سيظل مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة عنوانًا لمعركة أعمق، تتجاوز نصًا قانونيًا، لتلامس جوهر العلاقة بين السلطة والكلمة الحرة.
