Press Law: Is the Government Defending Reform or the Comfort of the Rent-Seekers?
عاد الجدل حول مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى الواجهة، اليوم الأربعاء، ليس بسبب مضمون بعض مواده فقط، بل بفعل الطريقة التي اختارت بها الحكومة إنهاء مساره التشريعي داخل مجلس المستشارين، في لحظة كشفت أكثر مما أخفت عن تصور السلطة لدور الصحافة وحدود استقلالها.
المسار الذي قاد إلى انسحاب فرق ومجموعات المعارضة لم يكن وليد لحظة انفعال، بل نتيجة تراكم مؤشرات أوحت، منذ البداية، بأن باب التعديل مغلق سلفًا.
أكثر من عشر ساعات من النقاش داخل اللجنة المختصة، تخللها توقف لجلسة التصويت دام قرابة ساعة، انتهت بعد الاستئناف إلى النتيجة نفسها: رفض شامل لجميع التعديلات المقترحة، دون أي استثناء.
هذا المعطى وحده يطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى النقاش البرلماني حين تتحول الأغلبية العددية إلى أداة حسم نهائي، لا إلى وسيلة لتجويد النصوص وبناء التوافق حولها.
انسحاب فرق الاتحاد المغربي للشغل، والفريق الاشتراكي، والفريق الحركي، ومجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ومستشاري الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، اليوم الأربعاء، لم يكن تعبيرًا عن عجز عددي بقدر ما كان توثيقًا سياسيًا لاختلال المسار.
تصريحات نور الدين سليك، رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل، وضعت الأمور في سياقها المباشر، حين تحدث عن موقف “مبيّت” للحكومة، وعن إعلان غير معلن منذ مرحلة مجلس النواب بعدم قبول أي تعديل في الغرفة الثانية، وهو ما يجعل التعديل، في هذه الحالة، حقًا شكليًا لا أداة تأثير حقيقية.
ورغم إدراك المعارضة المسبق لمصير تعديلاتِها، أصرت على طرحها دفاعًا عن حق دستوري في النقاش، وعن وظيفة البرلمان كفضاء تداول لا كغرفة تسجيل، ليأتي الانسحاب امتدادًا لهذا الموقف لا نقيضًا له.
الدعوة إلى إحالة المشروع على المحكمة الدستورية، والمطالبة بتفعيل المادة 217 من النظام الداخلي لإعادته إلى اللجنة قصد قراءة ثانية، لم تكن تصعيدًا سياسيًا بقدر ما كانت محاولة أخيرة لإنقاذ منطق التوافق في قانون يمس حرية الصحافة والتنظيم الذاتي للمهنة.
تجاهل هذا المسار عزز الانطباع بأن الغاية لم تكن تحسين النص أو تحصينه دستوريًا، بل تمريره بأقل قدر ممكن من التنازلات.
هنا يفرض السؤال نفسه بصيغة تحليلية لا اتهامية: هل يُمرَّر هذا القانون ضد الصحافيين؟ الجواب الأدق هو أنه لا يُوجَّه ضد الصحافيين كأفراد، بل ضد قدرتهم الجماعية على إنتاج سلطة مهنية مستقلة.
فالقانون، كما مرّ اليوم الأربعاء، لا يعكس ثقة حقيقية في التنظيم الذاتي للمهنة، ولا في آليات الانتخاب والمساءلة الداخلية، بل يعيد رسم المجلس بمنطق يُضعف التمثيلية ويُقوّي الضبط، في انسجام مع توجس سياسي قديم من صحافة قادرة على المراقبة وكشف التداخل بين القرار العمومي ومصالح المال.
في خلفية هذا المسار، تبرز بنية اقتصادية إعلامية هشة، تعتمد جزئيًا على الإشهار العمومي، وعلى عقود التواصل، وعلى وساطات رمادية.
داخل هذه البنية، لا يشكل مجلس مهني قوي، منتخب وشفاف، مطلبًا مرحّبًا به، بل مصدر إزعاج محتمل.
هنا لا يتعلق الأمر بضغط مباشر أو تعليمات مكتوبة، بل بمناخ مصالح يُكافئ الصحافة الهادئة، ويُضيّق على الصحافة المزعجة، ويجعل من “الاستقرار” ذريعة لتقليص الاستقلال.
في هذا السياق، يصبح إضعاف التنظيم الذاتي نقطة التقاء بين هاجس سياسي يبحث عن الهدوء، وفئات مستفيدة من المال العام لا ترغب في معايير مهنية صارمة ولا في رقابة مؤسساتية حقيقية.
وجود محمد مهدي بنسعيد في واجهة هذا المشروع لا يجعله صانعه الوحيد، لكنه يجعله حامله السياسي.
اختياره الدفاع عن النص بمنطق الحسم العددي، لا بمنطق الوساطة والتوافق، يضعه في موقع من تحمّل الكلفة الرمزية كاملة، حتى وإن كان القرار أوسع من شخصه.
ففي السياسة، لا يُحاسَب المسؤول فقط على ما قرّره، بل على ما اختار أن يحمله باسمه.
ما جرى اليوم الأربعاء داخل مجلس المستشارين لا يمكن اختزاله في انسحاب معارضة أو تمرير قانون، بل في إعادة ترتيب هادئة لعلاقة الدولة بالصحافة: لا قمع مباشر ولا منع، بل تنظيم يُقلّص الاستقلال ويُوسّع الضبط تحت عنوان الإصلاح.
حين تُشرَّع الصحافة بهذه الطريقة، لا يُمنع الكلام، لكن يُعاد تعريف من يملك شرعية قوله، ومن يُفضَّل أن يبقى في الهامش.
