لم يعد استيراد الأبقار الحية ولا اللحوم المجمّدة كافيًا لتلخيص عمق الاختلال الذي يعيشه قطاع تربية الماشية في المغرب.
اليوم، دخلنا مرحلة أكثر فجاجة ودلالة: استيراد التبن. أبسط مدخلات السلسلة الفلاحية، وأكثرها التصاقًا بالسيادة الغذائية، صار بدوره سلعة مستوردة من خارج القارة.
خبر فتح السوق المغربية أمام التبن البرازيلي، كما أعلنته وزارة الزراعة البرازيلية، لا يمكن التعامل معه كواقعة تجارية عابرة، بل كجرس إنذار صارخ يؤكد أن أزمة القطيع لم تعد أزمة جفاف فقط، بل أزمة اختيارات سياسية وفلاحية متراكمة.
في المنطق الفلاحي البسيط، التبن ليس منتجًا استراتيجيًا معقّدًا، ولا يتطلب تكنولوجيا متقدمة أو استثمارات ثقيلة.
هو ناتج طبيعي للدورة الزراعية، يُفترض أن يتوفر محليًا، وأن يُدار ضمن سياسات الأعلاف، ودعم الفلاح الصغير، وضمان التوازن بين الإنتاج النباتي والحيواني.
لذلك، حين يصل بلد فلاحي مثل المغرب إلى استيراد التبن، فالسؤال الحقيقي لا يكون: من أين سنستورده؟ بل: كيف فشلنا في إنتاج ما يُفترض أنه بديهي؟
الخطاب الرسمي يقدّم التبرير الجاهز: الجفاف، تراجع المراعي، حماية ما تبقى من القطيع.
غير أن هذا التفسير، مهما بدا مقنعًا ظاهريًا، يخفي جوهر الإشكال.
لأن الجفاف ليس حدثًا مفاجئًا ولا طارئًا، بل معطى بنيويًا متوقعًا منذ سنوات، وكان يفترض أن يُواجَه بسياسات استباقية واضحة: تخزين الأعلاف، دعم الزراعات العلفية، إعادة توجيه الدعم الفلاحي، وضبط التوازن بين التصدير والإنتاج الداخلي. ما حدث هو العكس تمامًا: الهروب إلى الاستيراد كلما ظهرت أولى علامات الاختلال، وكأن الدولة تدير الأزمة بمنطق الإطفاء لا بمنطق الوقاية.
استيراد التبن لا يحل أزمة الأعلاف، بل يعمّقها.
لا يعالج الجرح، بل يضع عليه ضمادًا مستوردًا وباهظ الكلفة، ويحوّل إشكالًا ظرفيًا إلى تبعية خارجية دائمة.
الأخطر أن هذا الخيار يخلق مفارقة اقتصادية صامتة لكنها قاسية: دعم غير مباشر للفلاحة البرازيلية، في وقت يُترك فيه الفلاح المغربي الصغير وحيدًا أمام ارتفاع كلفة الإنتاج، ضعف الدعم، وانسداد أفق الاستمرار. سياسة كهذه لا تُنقذ القطاع، بل تُعيد توزيع الخسائر داخله، وتُراكمها على الحلقة الأضعف.
خلال السنوات الأخيرة، سُوّقت خطط كبرى بعناوين جذابة: إعادة هيكلة الفلاحة، تحقيق الأمن الغذائي، إنعاش القطيع الوطني.
لكن الوقائع الميدانية تكشف مسارًا معاكسًا تمامًا: انتقالًا صامتًا من منطق دعم الإنتاج إلى منطق تدبير الندرة.
بدأنا باستيراد الأبقار، ثم اللحوم، واليوم التبن.
وغدًا؟ البذور؟ المياه؟ أم القرار الفلاحي نفسه؟
هذه السلسلة لا تعبّر فقط عن ضغط مناخي أو ظرف استثنائي، بل عن غياب رؤية متكاملة تربط بين تدبير الماء، واستعمال الأرض، وسياسات الدعم، والعدالة المجالية.
حين تُدار الفلاحة بمنطق السوق القصير النفس، لا بمنطق السيادة طويلة المدى، يصبح الاستيراد هو القاعدة، ويغدو الإنتاج المحلي استثناءً هشًا.
القضية، في النهاية، ليست في مشروعية الاستيراد من حيث المبدأ، بل في تحوّله إلى سياسة افتراضية تُستعمل كلما فشل التخطيط، وكلما تعذّر الإصلاح. لأن أزمة التبن ليست أزمة علف فقط، بل مرآة تعكس سؤالًا استراتيجيًا أكبر:
ماذا تبقّى من السيادة الغذائية حين نعجز عن إنتاج أبسط عناصرها داخل أرضنا؟
