Bensaid and Self-Regulation: Declared Reform or a Reengineering of the Council?
لم يعد من السهل إقناع الرأي العام بأن ما يجري داخل المشهد السياسي مجرد اختلاف في التقدير أو سوء تواصل عابر.
ما يتراكم منذ سنوات، وتحديداً منذ انتخابات 8 شتنبر، يكشف منطقاً متكاملاً في الحكم: قرارات تُصاغ خارج النقاش، قوانين تُمرَّر في الظل، وسياسات عمومية تُدار بمنطق لا يضع المواطن ولا المصلحة العامة في قلبها، بل في هامشها.
في هذا السياق، تبرز الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، كنموذج لسلطة تنفيذية تُدبّر الشأن العام بعقلية اقتصادية صِرفة، حيث تتقاطع السياسة مع منطق السوق، وتُختزل المسؤولية العمومية في إدارة التوازنات بدل توسيع النقاش العمومي.
وهو ما انعكس، خلال الولاية الحالية، في تراجع واضح لدور الوساطة السياسية، وتقلّص مساحات الحوار حول ملفات اجتماعية وإعلامية بالغة الحساسية.
ضمن هذا المناخ، انفجر الجدل مجدداً حول مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وهو ملف دقيق أُسند تدبيره السياسي إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل.
نقاش لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تعرفه حرية الصحافة في المغرب، ولا عن هشاشة القطاع، وتراجع موارده، وتزايد الضغوط القانونية والاقتصادية التي تُثقل كاهل المقاولات الإعلامية.
غير أن الإشكال لا يقتصر على مضمون النص، بل يمتد إلى من يقوده سياسياً.
فهنا يبرز اسم محمد المهدي بنسعيد، اسم صعد بسرعة غير مسبوقة داخل هرم القرار، دون مسار سياسي أو تدبيري معروف للرأي العام، ودون أي تجربة مهنية تُذكر في مجال الإعلام أو قضايا التنظيم الذاتي للصحافة.
صعود لا يُفسَّر بتراكم سياسي أو كفاءة قطاعية، بقدر ما يعكس منطق التعيين الوظيفي لتنفيذ مهمة محددة سلفاً.
الأخطر، بحسب متابعين للشأن الإعلامي، أن الوزير لا يتصرف كمسؤول حكومي يسعى إلى إصلاح قطاع يعاني اختلالات بنيوية، بل كوسيط سياسي مكلف بتمرير قانون مثير للجدل.
قانون لا يُقرأ باعتباره أداة تقويم، بقدر ما يُفهم كآلية لإعادة هندسة التنظيم الذاتي، وفتح الطريق أمام تنصيب شخصية بعينها على رأس المجلس الوطني للصحافة، في ما يشبه تفصيلاً مؤسساتياً على المقاس، خارج منطق التعدد والاختيار الحر للمهنيين.
هذا التوجّه فجّر ردود فعل قوية داخل الجسم الصحافي.
فقد أعرب المكتب التنفيذي لـ الفيدرالية المغربية لناشري الصحف عن خيبة أمله العميقة إزاء تصويت أغلبية الحكومة بمجلس المستشارين، يوم الأربعاء 24 دجنبر 2025، لصالح المشروع، معتبراً أن ما جرى يشكّل ضربة مباشرة لحرية الصحافة واستقلاليتها، وتفريغاً خطيراً لمعنى التنظيم الذاتي من محتواه الدستوري.
وسجّل بلاغ الفيدرالية أن الأغلبية البرلمانية اختارت الاصطفاف خلف الحكومة في ما وصفته بـ“تحالف للسطو اللادستوري” على هيئة التنظيم الذاتي، بما من شأنه تقويض ثقة الجسم المهني والمجتمع المدني.
كما شددت على أن المصادقة تمت رغم معارضة واسعة شملت مؤسسات دستورية، وهيئات حقوقية وجمعوية، وخبراء، ووزراء سابقين في قطاع الاتصال.
ولم تُخفِ الفيدرالية استنكارها لما وصفته بسياسة “الهروب إلى الأمام”، من خلال إقصاء ممثلي الجسم الصحافي، واعتماد تنظيم جمعوي واحد كمخاطب حصري للوزارة، إلى جانب رفض جميع التعديلات المقترحة، وتجاهل ملاحظات مجلس المستشارين والمؤسسات الحقوقية.
وهي اختيارات تعزّز الانطباع بأن مسار التشريع كان محسوم النتائج سلفاً.
وتحذّر الفيدرالية من أن هذا القانون قد يُحوّل الصحافة إلى “سلطة تابعة”، ويستهدف بشكل مباشر الصحافة الجهوية والمقاولات الصغرى والمتوسطة، بما يهدد التعددية الإعلامية، ويفتح الباب أمام مزيد من التحكم في واحد من آخر فضاءات النقد والمساءلة داخل المجتمع.
في هذا السياق، لا يبدو الجدل الدائر مجرد خلاف تقني حول نص قانوني، بل صراعاً حول فلسفة كاملة: هل يُراد للصحافة أن تكون شريكاً نقدياً في البناء الديمقراطي، أم قطاعاً يُعاد ضبطه كلما ضاق هامش النقد؟ سؤال ازداد إلحاحاً بعد دعوة الفيدرالية إلى إحالة المشروع على المحكمة الدستورية، للتحقق من مدى احترامه للفصل 28 من الدستور المتعلق بحرية الصحافة والتنظيم الذاتي.
ما بعد هذا التصويت، لم يعد النقاش محصوراً في تفاصيل القانون، بل في المسؤولية السياسية لمن أصرّ على تمريره بهذا الشكل.
فحين يتحول الإصلاح إلى فرض، والتنظيم إلى وصاية، والحوار إلى إجراء شكلي، فإن الأزمة لا تكون أزمة صحافة فقط، بل أزمة تصور للحكم، وحدود السلطة، وحدود النقد.
