From Campaign Funding to Allegations of Embezzlement: How the Constitutional Court Redrew the Rules of the Game
قرار المحكمة الدستورية الأخير بخصوص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تأكيد تقني لمقتضيات تشريعية جديدة، بل باعتباره لحظة فاصلة في إعادة هندسة العلاقة بين المال والسياسة داخل المسار الانتخابي المغربي.
فالقرار، الذي اعتبر أي إخلال بتبرير صرف الدعم العمومي المخصص للحملات الانتخابية بمثابة “اختلاس للمال العام”، يرفع سقف المسؤولية القانونية إلى مستوى غير مسبوق، ويحوّل الدعم من أداة تحفيز ديمقراطي إلى عبء جنائي محتمل.
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان حول كون الدعم العمومي مالًا عامًا، ولا حول ضرورة إخضاعه للرقابة حمايةً لصدقية العملية الانتخابية وتخليقًا للممارسة الحزبية.
غير أن جوهر الإشكال لا يكمن في صرامة النص، بل في سؤال تنزيله الواقعي، وفي الجهة التي ستنتقل من دور المراقب التقني إلى موقع الفاعل المؤثر في موازين التنافس السياسي.
القرار منح دورًا محوريًا لـ المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المخول لها فحص النفقات الانتخابية وتلقي تبريرات صرف الدعم وترتيب الآثار القانونية عند الإخلال.
وهنا يبرز السؤال الذي يتفادى الخطاب الرسمي الخوض فيه: هل نحن أمام رقابة فعلية ستُفضي إلى متابعات وترتيب جزاءات واضحة، أم أمام ممارسة مألوفة تكتفي ببلاغات وتقارير تقنية تُسجّل الملاحظات دون أن تتحول إلى مساءلة زجرية حقيقية؟
التجربة السابقة لا تُطمئن كثيرًا. فرغم ما راكمه المجلس الأعلى للحسابات من تقارير دقيقة ومعطيات ثقيلة بخصوص تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، نادرًا ما تحوّلت خلاصاته إلى ملفات قضائية مكتملة الأركان في موضوع “اختلاس المال العام” بالمعنى الذي تحدث عنه قرار المحكمة الدستورية.
في الغالب، ينتهي المسار بإرجاع جزئي للمبالغ أو بتدوين ملاحظات تُحفظ في الأرشيف المؤسساتي، دون أن تترجم إلى محاسبة سياسية أو جنائية وازنة.
توسيع مفهوم الاختلاس ليشمل عدم التبرير أو عدم الإرجاع، وتحميل المسؤولية بشكل مشترك للأحزاب والمترشحين، يفتح نظريًا باب التخليق، لكنه عمليًا يطرح إشكال الانتقائية.
من سيُتابَع فعلًا؟ وعلى أي أساس؟ وهل ستُطبَّق الصرامة نفسها على جميع الفاعلين، أم سيظل النص سيفًا معلقًا يُفعَّل عند الحاجة ويُجمَّد عند الضرورة؟ هنا يتحول مبدأ الحكامة من ضمانة دستورية إلى أداة ضبط، ويتحول القانون من إطار للنزاهة إلى وسيلة فرز غير معلنة داخل الحقل الانتخابي.
وفي السياق نفسه، فإن تكريس آجال قصيرة للحسم في الطعون، واعتبار عدم بت محكمة النقض داخل 24 ساعة بمثابة رفض للطعن، يعكس فلسفة واضحة تقوم على أولوية استقرار المسار الانتخابي على حساب الإنصاف الزمني للأطراف.
صحيح أن المحكمة الدستورية أبقت باب الطعن في النتائج مفتوحًا بعد الاقتراع، غير أن الضرر السياسي الناتج عن الإقصاء القبلي لا تعالجه مساطر ما بعد إعلان النتائج، ولا يُعيد للمترشح موقعه في منافسة أُقصي منها قبل أن تبدأ فعليًا.
في المحصلة، لسنا فقط أمام تشديد رقابي على المال الانتخابي، بل أمام إعادة تعريف غير معلنة لشروط الدخول إلى المنافسة السياسية.
النص صارم، والقرار واضح، لكن السؤال الجوهري يظل معلقًا: هل سيُطبَّق هذا القانون فعلًا بمنطق المساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة، أم أن المجلس الأعلى للحسابات سيواصل الاكتفاء ببلاغات وتقارير، بينما يظل “الاختلاس الانتخابي” توصيفًا نظريًا أكثر منه ممارسة قضائية؟
في السياسة، الخطورة لا تكمن في القوانين، بل في اللحظة التي تُفعَّل فيها… ولصالح من.
