Laftit’s $15.7-Billion Contracts: Signed Development or Concentrated Power?
عاد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ليؤكد، مرة أخرى، أن التعاقد بين الدولة والجهات يشكل رافعة استراتيجية لتفعيل ورش الجهوية المتقدمة، وتجسيد العدالة المجالية، وتعزيز نجاعة الاستثمار العمومي.
خطاب متماسك في صياغته، مطمئن في نبرته، لكنه يفتح، في العمق، سؤالًا لا تجيب عنه لغة البلاغات: أي جهوية نُفعّل فعلًا؟ وبأي منطق تُدار؟ ولصالح من تُنجز هذه العقود؟
الأرقام المعلنة ثقيلة الدلالة: 11 عقد برنامج للفترة 2024–2027، بكلفة تناهز 157 مليار درهم، وأكثر من ألف مشروع، ومساهمة للجهات تصل إلى 46.4 مليار درهم.
أرقام كفيلة، لوحدها، بصناعة صورة دينامية تنموية غير مسبوقة. غير أن التجربة المغربية علّمت المتتبعين أن تضخّم الكلفة لا يعني بالضرورة تضخّم الأثر، وأن كثرة المشاريع لا تترجم تلقائيًا إلى تحوّل فعلي في الواقع.
الخطاب الرسمي يصرّ على تقديم التعاقد باعتباره قطيعة مع منطق التدبير العمودي، غير أن بنية القرار، كما تكشفها الممارسة، ما تزال محكومة بتوازنات مركزية صارمة.
حين تُدار اللجان الجهوية تحت رئاسة ولاة الجهات، وحين يظل التنسيق العمودي القناة الأساسية لتنزيل البرامج، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام جهة شريكة في القرار، أم أمام فاعل محلي ينجز اختيارات صيغت خارج مجاله الترابي؟
استحضار تجربة العقود السابقة لا يبدد هذا الالتباس.
نسب إنجاز قاربت 90 في المائة مع نهاية 2024، لكن دون نقاش عمومي حول طبيعة هذا الإنجاز.
هل نتحدث عن مشاريع غيّرت فعليًا شروط العيش؟ أم عن التزامات مالية أُقفلت محاسباتيًا؟ وهل ساهمت هذه العقود في تقليص الفوارق المجالية، أم أعادت توزيع الاستثمار داخل الخريطة نفسها غير المتوازنة؟
هنا يبرز الخطر الحقيقي: اختزال الجهوية المتقدمة في دفتر تحمّلات مالي ضخم، تُوقّع فيه العقود، وتُضبط فيه الجداول، وتُنجز فيه المشاريع، دون أن يُطرح السؤال السياسي الجوهري: من يملك سلطة الاختيار؟ ومن يُحاسَب عند فشل الأثر، لا عند تعثّر المسطرة؟
إحالة وزارة الداخلية على توصيات المجلس الأعلى للحسابات لا تغيّر كثيرًا من جوهر الإشكال.
فالتقارير الرقابية، مهما بلغت دقتها، تفقد معناها حين تُستعمل كأدوات تحسين تقني، لا كمدخل لمساءلة اختيارات عمومية كرّست، في حالات عديدة، ضعف الالتقائية، وتأخر الإنجاز، وغياب الرؤية المندمجة.
التعاقد، في صيغته الحالية، ينجح في تنظيم التمويل، لكنه لم يُثبت بعد قدرته على إعادة توزيع السلطة.
يضبط المساطر، لكنه يتحاشى الخوض في جوهر العلاقة بين المركز والجهة.
وهو ما يجعل الجهوية، كما تُمارَس اليوم، أقرب إلى لامركزية مالية مُراقَبة، منها إلى جهوية سياسية قادرة على إنتاج تنمية عادلة ومستدامة.
الرهان الحقيقي لا يكمن في توقيع عقود جديدة أو رفع أغلفة مالية أكبر، بل في الجرأة على تحويل الجهة من فضاء للتنفيذ إلى فضاء للاختيار، ومن متلقٍّ للبرامج إلى شريك كامل في صياغتها.
دون ذلك، سيظل التعاقد بين الدولة والجهات رقمًا كبيرًا في بلاغ رسمي، وأثرًا محدودًا في حياة المواطنين.
