كشفت مداخلة النائبة البرلمانية ربيعة بوجة، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أمس الإثنين 29 دجنبر الجاري، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بـ مجلس النواب، عن صورة مقلقة لبرنامج “مدارس الريادة”، الذي رُوّج له باعتباره أحد أعمدة إصلاح المنظومة التعليمية، قبل أن يتحول، وفق المعطيات المثارة، إلى نموذج إشكالي في تدبير المال العام وقياس الأثر.
الرقم الذي فجّر الجدل لم يكن هامشيًا، إذ يتعلق بغلاف مالي ناهز 97 مليار سنتيم، خُصص للبرنامج دون أن يواكبه، بحسب المتحدثة، أثر ملموس على مستوى جودة التعلمات أو تحسين شروط الاشتغال داخل المؤسسات التعليمية.
وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا في السياسات العمومية: هل يكفي ضخ الميزانيات لتحقيق الإصلاح، أم أن الإشكال يرتبط أساسًا بالحكامة وآليات التنفيذ؟
وانتقلت بوجة من مستوى الأرقام إلى تفاصيل ميدانية تعكس، في نظرها، فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وواقع الممارسة، مشيرة إلى غياب كراسات خاصة بمدارس الريادة، وعدم تمكين الأساتذة من الوسائل الرقمية الضرورية، بما في ذلك الحواسيب، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى جاهزية المشروع وقدرته على تحقيق الأهداف المعلنة.
فبرنامج يستهدف الرفع من جودة التعلمات لا يمكن أن ينجح في ظل ضعف التجهيزات واستمرار اختلالات بنيوية داخل الأقسام.
وفي ما يخص الصفقات العمومية، أثارت البرلمانية مسألة اقتناء لوازم مدرسية بأثمنة وصفتها بالمرتفعة، مقارنة بمؤسسات عمومية أخرى تقتني المعدات نفسها بتكلفة أقل، معتبرة أن الأمر يرقى إلى هدر للمال العام. هذا المعطى، إن ثبت، لا يطرح فقط إشكال النجاعة المالية، بل يفتح نقاشًا أوسع حول معايير الاختيار واحترام قواعد الشفافية والمنافسة، في قطاع يُفترض أن يكون نموذجًا في التدبير الرشيد.
وفي مقابل البرامج الإصلاحية المعلنة، أعادت بوجة تسليط الضوء على وضعية العالم القروي، حيث لا تزال آلاف المؤسسات التعليمية تفتقر إلى الماء والكهرباء والطرق، فيما يواصل عدد من التلاميذ الدراسة في خيام أو في ظروف وُصفت بغير الإنسانية.
معطيات تكشف عن فجوة صارخة بين التخطيط المركزي والواقع الترابي، وتجعل الحديث عن مؤشرات الجودة والتصنيفات الدولية منفصلًا عن السياق الاجتماعي والمجالي الحقيقي.
كما تساءلت المتحدثة عن جدوى الحديث عن إدراج المغرب ضمن مراتب متقدمة عالميًا في التعليم، في ظل معطيات تفيد بأن نسبة كبيرة من التلاميذ لا يتقنون التعلمات الأساسية، إضافة إلى وجود حوالي 300 ألف طفل خارج أسوار المدرسة، وهو تناقض يعكس، في العمق، اختلالًا بين الأهداف المعلنة والوسائل المعتمدة لتحقيقها.
ولم تغفل بوجة التطرق إلى ملفات الدعم الاجتماعي المرتبطة بالتمدرس، منتقدة حذف برنامج “تيسير” وإخضاع برنامج “مليون محفظة” لمنطق الاستهداف بالمؤشر، إلى جانب ما وصفته بالوضعية الكارثية للنقل المدرسي، حيث يتم، حسب قولها، نقل ما بين 50 و70 تلميذًا في حافلة واحدة، بما يحمله ذلك من مخاطر تربوية وإنسانية.
وفي جانب آخر من تدخلها، أثارت البرلمانية مسألة التعيينات داخل القطاع، معتبرة أن التعليم أصبح، في نظرها، “مصبوغًا بلون سياسي واحد”، وهو اتهام، حتى وإن لم يُدعَّم بأسماء، يظل ثقيلًا سياسيًا ويستدعي توضيحًا رسميًا يبدد الشكوك حول حياد الإدارة التربوية. كما انتقدت تسقيف سن التوظيف في الوظيفة العمومية، واصفة إياه بغير الدستوري وغير القانوني، وداعية إلى التراجع عنه وإنصاف فئات واسعة من الشباب.
أما بخصوص التعليم الأولي، فقد طالبت بوجة بإدماج أطره، منتقدة ما اعتبرته تنكرًا لمجهودات سابقة، ومشيرة إلى أن نسبة تعميم هذا السلك كانت قد بلغت مستويات متقدمة قبل الحكومة الحالية، التي لم تحقق، بحسب تعبيرها، سوى هامش تطور محدود خلال السنوات الأخيرة.
وختمت المتحدثة تدخلها بالتساؤل عن الإجراءات والاستراتيجيات المعتمدة لضمان استمرارية التمدرس لفائدة التلاميذ المتضررين من الثلوج والفيضانات، خاصة في المناطق النائية، في ظل تكرار هذه الظواهر وغياب حلول استباقية ومستدامة.
ما تثيره هذه المداخلة البرلمانية لا يقتصر على تقييم برنامج بعينه، بل يلامس جوهر الإشكال المرتبط بتدبير الإصلاحات الكبرى في قطاع حيوي كالتعليم.
فالمسألة، في نهاية المطاف، ليست في حجم الاعتمادات المرصودة، بل في وضوح الرؤية، وشفافية الصرف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول البرامج الإصلاحية إلى أرقام كبيرة بلا أثر فعلي في حياة المدرسة العمومية.
