لم يعد الجدل حول مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة مجرد نقاش تقني حول مواد وصياغات، بل تحوّل إلى لحظة سياسية كاشفة لميزان القوى الحقيقي داخل الحقل الإعلامي.
فخلف خطاب “العصرنة” و“الحكامة” و“تقوية المقاولة”، يطل سؤال ثقيل لا يمكن القفز عليه: هل تسعى الحكومة، عبر وزيرها محمد المهدي بنسعيد، إلى إعادة هندسة التنظيم الذاتي بما يمنح الناشرين اليد العليا ويُقزّم موقع الصحافيين؟
داخل البرلمان، أصرّ الوزير على نفي أي انحياز، مؤكّدًا أن الحكومة لا تغلب الناشرين على الصحافيين.
غير أن هذا النفي يتهاوى أمام منطق النص نفسه، الذي يربط التمثيلية داخل المجلس بمعايير اقتصادية وتشغيلية، في قطاع يعلم الجميع أن هشاشته البنيوية تجعل “القوة المالية” معيارًا إقصائيًا لا تنظيميًا.
فحين يصبح حجم المقاولة وعدد الأجراء بوابة التمثيل، يتحول التنظيم الذاتي من فضاء مهني إلى انعكاس مباشر لميزان المال.
الطرح الذي يدافع عنه الوزير يبدو بسيطًا في ظاهره: من يشغّل أكثر، يُمثَّل أكثر.
لكن هذه البساطة تخفي اختلالًا بنيويًا.
هل عدد الصحافيين المصرّح بهم ضمانة للاستقلالية؟ وهل المقاولة القوية ماليًا هي بالضرورة مقاولة تحترم أخلاقيات المهنة، ولا تستعمل الصحافة كسلاح ضغط أو أداة تصفية حسابات؟ أم أننا أمام منطق يكافئ النفوذ، لا الجودة؟
الأكثر دلالة أن هذا التوجه يأتي في سياق سياسي مشحون.
داخل المؤسسة التشريعية نفسها، اعترف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بتوصله بـ“رسائل” قال صراحة إن “ما فيها ما يتشاف”، وذلك تزامنًا مع نقاش حول صحافة التشهير واستنزاف المال العام.
هذا الاعتراف لم يكن عابرًا، بل إشارة صريحة إلى وجود ضغط يُمارَس من خارج النقاش العلني، ضغط لا يريد صحافة تسائل وتحقق، بل صحافة منضبطة لا تزعج.
وفي الاتجاه ذاته، جاء تدخل محمد أوزين حول “صحافة التشهير” ليضيف طبقة أخرى من الخلط المقصود.
فبدل التمييز الواضح بين التشهير كجريمة مهنية مدانة، والصحافة الاستقصائية كوظيفة رقابية أساسية، يتم خلط الأوراق عمدًا، وصناعة خطاب يشيطن الصحافة الناقدة باعتبارها “مستنزفة للمال العام”، وكأن الإشكال في من يكتب، لا في من ينهب أو يسيء التدبير.
هنا تتقاطع الخيوط بوضوح. مشروع قانون يُضعف التمثيلية النقابية، ويهمّش الصحافة الجهوية والرقمية المستقلة، ويغيب عنه ضمان الطعن القضائي، ونشر التقارير، والمساءلة البرلمانية، لا يمكن تسويقه باعتباره إصلاحًا بريئًا.
إنه نص يعيد توزيع السلطة داخل المجلس، ويحوّل التنظيم الذاتي من آلية لحماية المهنة إلى أداة ضبط ناعم، تُدار بمنطق إداري واقتصادي، لا بروح الصحافة.
السؤال الذي يتجنب الوزير الإجابة عنه ليس: هل سيكون المجلس أقوى؟
بل: أقوى لمن؟
هل سيكون أقوى للصحافي الذي يشتغل في الهشاشة، ويؤدي وظيفة رقابية مزعجة؟ أم للناشر القادر على استيفاء الشروط، حتى وإن كان سجله المهني محل نقاش؟ وهل نحن أمام إصلاح حقيقي لمنظومة الصحافة، أم أمام استجابة سياسية لضغوط غير معلنة، تمرّ من بوابة “الحكامة” وتُنفَّذ بهدوء داخل البرلمان؟
في النهاية، ما يجري ليس تعديلًا قانونيًا عابرًا، بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين السلطة والمال والصحافة.
ومحاولة من هذا النوع، حين تمرّ دون نقاش صريح، لا تُضعف فقط استقلالية المجلس الوطني للصحافة، بل تنذر بتحويل حرية التعبير من حق مهني إلى امتياز اقتصادي.
إذا كان هذا هو التنظيم الذاتي كما تريده الحكومة، فمن سيحمي الصحافي… حين يصبح خارج ميزان
