When the Budget Becomes a Tool for Unequal Distribution of Wealth
لم تعد الأرقام في المغرب مجرد معطيات تقنية تُستعمل لتجميل الخطاب الرسمي أو لتبرير اختيارات ظرفية، بل صارت تعكس، بوضوح متزايد، ملامح نموذج اقتصادي واجتماعي يقوم على اختلال بنيوي في توزيع الكلفة والمنافع.
خلف لغة الإصلاح، والتحفيز، والاستدامة، تتكرّس سياسة عمومية غير مُعلَنة، قوامها بسيط: الامتياز حيث النفوذ، والتشدد حيث الهشاشة، والصبر كخطاب موجّه للأغلبية بدل أن يكون ثمرة ثقة متبادلة.
وفق معطيات متقاطعة صادرة عن هيئات رسمية وقراءات مالية متداولة داخل دوائر النقاش الاقتصادي، فإن حجم الإعفاءات الضريبية الممنوحة لقطاعات محددة عرف توسعًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، متجاوزًا 3200 مليار سنتيم، دون أن ينعكس ذلك على الأسعار أو التشغيل أو تحسين القدرة الشرائية.
هذه الإعفاءات، التي شملت المحروقات وصيد أعالي البحار والفلاحة الكبرى والتجهيزات الطبية، لم تُربط بشروط اجتماعية دقيقة، ولم تخضع لتقييم دوري شفاف، ما جعلها تتحول من أداة تحفيز ظرفية إلى امتياز دائم.
في المقابل، تُظهر خلاصات دراسات تقييمية غير منشورة على نطاق واسع أن العبء الجبائي يظل مركّزًا على الفئات الأكثر قابلية للاستخلاص: الأجراء، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، والمهن المنظمة.
هذا الاختلال لا ينتج فقط شعورًا متناميًا بالظلم الضريبي، بل يخلق دينامية اقتصادية معكوسة، حيث يُخنق الفاعل المنتج، ويُكافأ الفاعل الريعي.
وتزداد المفارقة وضوحًا حين نعلم أن الشركات الرياضية استفادت من إعفاء ضريبي شامل إلى غاية 2030، في وقت يجد فيه آلاف المقاولين الصغار أنفسهم عاجزين حتى عن أداء أجور المستخدمين، ناهيك عن الضرائب والغرامات.
وبحسب مؤشرات مالية عمومية متداولة في فضاءات القرار، فإن خدمة الدين العمومي باتت تستنزف حيزًا متناميًا من الميزانية العامة. فوائد الدين وحدها تناهز 4400 مليار سنتيم، بينما تصل فوائد وأقساط الدين إلى حوالي 10800 مليار سنتيم، يُضاف إليها ما يقارب 9000 مليار سنتيم من الدين الخارجي، سواء المتعلق بالدولة أو بالخواص.
هذه الكلفة تفوق ميزانية التعليم، وتعادل أضعاف ميزانية الصحة، دون أن يُسجَّل أثر بنيوي ملموس على جودة الخدمات العمومية.
أما الدين الخارجي، الذي بلغ حوالي 70 مليار دولار، فقد تضاعف مرات عدة مقارنة بمستوياته سنة 2010، في مسار يطرح تساؤلات عميقة حول نجاعة الاختيارات الاستثمارية التي موّلها.
تشير قراءات اقتصادية متقاطعة إلى أن جزءًا مهمًا من هذه الاستدانة يُستعمل لتدبير العجز وتأدية التزامات سابقة، أكثر مما يُوجَّه لبناء قاعدة إنتاجية مستدامة.
وفي هذا السياق، تتحول المديونية إلى أداة لترحيل الكلفة نحو المستقبل، بينما يُطلب من الحاضر تحمّل العبء دون أفق اجتماعي واضح.
هذا الاختلال المالي يوازيه انفلات مقلق في الأسعار.
تحليلات قطاعية تُظهر أن الفارق بين كلفة الاستيراد وسعر البيع النهائي للمواد الأساسية لا يمكن تفسيره فقط بتقلبات الأسواق الدولية أو تكاليف النقل والتخزين.
أدوية تدخل بأسعار منخفضة جدًا وتُباع بأضعاف مضاعفة، ومواد غذائية أساسية تتضاعف أثمانها بين الميناء وسوق التقسيط، وهو ما يعكس، وفق قراءات مختصة، اختلالات عميقة في سلاسل التوزيع، وهوامش ربح غير مضبوطة، وغياب تدخل فعّال لضبط المنافسة.
تحرير الأسعار، كما طُبّق، لم يتحول إلى تحرير حقيقي للمنافسة، بل إلى تحرير واسع لهوامش الربح، في ظل دولة اختارت الانسحاب من دورها التحكيمي، أو الاكتفاء بخطاب التبرير وربط كل الاختلالات بالعوامل الخارجية.
وفي الخلفية، يتم تسويق ما يُسمّى بالتمويلات المبتكرة كحل ذكي لضغط الميزانية، بينما تُجمع قراءات قانونية ومالية متخصصة على أن هذا المسار يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بالشفافية وحكامة الأصول العمومية.
تفويت أو بيع ما يفوق 15 في المئة من ممتلكات الدولة، من مستشفيات وإدارات وجامعات، بما يزيد عن 125 مليار درهم، تم دون إطار تشريعي جامع أو آليات تتبع دقيقة، ما يحوّل هذه العمليات إلى تفويت مؤجّل للسيادة العمومية بدل أن تكون أداة إصلاح.
وتكشف المؤشرات الاجتماعية، المستقاة من معطيات رسمية سبق عرضها في مناسبات مؤسساتية، عن حجم الانفصال بين الخطاب والواقع.
ترتيب متأخر في التنمية البشرية، موقع متدنٍ في التعليم، خروج شبه كامل من التصنيفات الجامعية العالمية، واستقرار مقلق في نسب الأمية رغم صرف مئات المليارات على برامج محوها.
أكثر من 80 في المئة من الأسر تُقر بتدهور معيشتها، فيما يعجز حوالي 90 في المئة عن الادخار، ما يعني أن أي صدمة بسيطة قد تدفع شرائح واسعة نحو الهشاشة.
وتُظهر معطيات سوق الشغل، المستقاة من مصادر رسمية، أن بطالة الشباب بلغت مستويات مقلقة تقارب 38 في المئة، في حين تجاوز المعدل الوطني 13 في المئة، رغم تعدد البرامج والشعارات.
قراءات استشرافية تُجمع على أن هذه البرامج تظل، في الغالب، تدبيرًا مؤقتًا للبطالة لا حلًا بنيويًا لها، ما يُنتج جيلًا كاملًا يعيش الإقصاء ويُطالَب في الوقت نفسه بالصبر والانضباط.
في هذا السياق، تتكثف الملاحظات الحقوقية والمهنية حول ارتفاع كلفة الولوج إلى العدالة، وتعقيد المساطر، واتساع هامش التأويل الزجري في بعض النصوص، بما ينعكس سلبًا على الثقة في المؤسسات.
بدل أن تكون القوانين أدوات لحماية الحقوق، تتحول في أحيان كثيرة إلى آليات ردع تُستعمل لضبط المجال العام أكثر مما تُستعمل لمعالجة جذور الاختلال.
وفي ما يخص الأمن الغذائي، تشير تقارير تحليلية وطنية إلى أن الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد في الحبوب وبذور الزيوت والأعلاف، ونسب مهمة من اللحوم والسكر، يجعل السوق الداخلية شديدة الحساسية لأي اضطراب خارجي.
ورغم ذلك، يستمر توجيه الدعم نحو الفلاحة الكبرى الموجهة للتصدير، بينما يُترك الفلاح الصغير والوسط القروي بلا حماية كافية، في مفارقة تُعمّق التبعية بدل تقليصها.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تُبرز قراءات سياسية متقاطعة أن الاقتصاد يُستعمل بشكل متزايد كأداة لضمان الولاءات. الصفقات تُوجَّه محليًا، القرارات الحساسة تُؤجَّل، والقوانين التي قد تمس مناطق الريع تُركَن جانبًا، بينما يُعاد إدماج الأعيان والسماسرة في الخزان الانتخابي.
في المقابل، يُقصى الشباب المقاول ويُترك خارج دوائر القرار والدعم الحقيقي.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعيدًا عن البلاغات والأرقام المجتزأة، هو سؤال بسيط في صياغته، ثقيل في دلالته:
هل يمكن لدولة أن تطلب الولاء من مجتمع يشعر أن دوره الوحيد هو الدفع، دون أن يكون شريكًا في القرار أو مستفيدًا من الثمار؟
