Bank Al-Maghrib and the Question of a Quiet Transition
أعادت تصريحات حديثة لوالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، إلى واجهة النقاش العمومي سؤالًا ظل حاضرًا في الكواليس الاقتصادية لسنوات، لكنه نادرًا ما طُرح بهذا الوضوح: سؤال مرحلة ما بعد الجواهري، ليس باعتبارها لحظة إدارية عادية، بل بوصفها محطة مفصلية في تاريخ السياسة النقدية المغربية.
نقاشٌ تغذّيه تحليلات وتأويلات متعددة، في غياب أي قرار رسمي أو بلاغ مؤسساتي يحدّد نهاية مهامه أو يضع أفقًا زمنيًا واضحًا لذلك.
ويكتسي هذا النقاش حساسية خاصة بالنظر إلى عامل السن، الذي لم يعد معطًى خفيًا، والذي سبق للجواهري نفسه أن أشار إليه في أكثر من مناسبة عمومية.
غير أن الثابت في كل تصريحاته هو حرصه الدائم على إعادة النقاش إلى إطاره المؤسساتي، حين شدّد على أن الاستمرار أو المغادرة لا يرتبطان بإرادة فردية، بل بقرار سيادي تحكمه اعتبارات تتجاوز الشخص إلى موقع المؤسسة ودورها في التوازنات العامة.
ورغم هذا التوضيح المتكرر، لم تتوقف التأويلات، بل اتسعت، بفعل سياق سياسي واقتصادي دقيق، وبفعل المكانة الخاصة التي يحتلها بنك المغرب في هندسة القرار العمومي.
فقد فُهمت نبرة الجواهري الهادئة، وحديثه عن طول مساره المهني، لدى عدد من المتابعين باعتبارها تعبيرًا عن وعيه بمرحلة انتقالية قادمة، أكثر من كونها إعلانًا عن مغادرة وشيكة.
فالقراءة المتأنية لتصريحاته تُظهر أنه يتحدث من موقع رجل دولة خبر منطق الاستمرارية، ويعي أن أي انتقال مفاجئ أو غير محسوب قد تكون له كلفة أعلى من مجرد تغيير اسم في قمة الهرم.
بعيدًا عن الشخص، يفرض هذا النقاش العودة إلى دور بنك المغرب داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية.
فمنذ بداية الألفية، ارتبطت السياسة النقدية المغربية بخط محافظ، جعل من الاستقرار السعري وضبط التضخم أولوية قصوى، حتى في الفترات التي ارتفعت فيها الضغوط الاجتماعية أو المالية.
هذا الخيار لم يكن دائمًا محل إجماع، لكنه وفّر للمغرب هامش ثقة داخليًا وخارجيًا، خاصة في علاقته بالأسواق والمؤسسات المالية الدولية.
وقد شكّل الجواهري، خلال أكثر من عقدين، أحد أبرز المدافعين عن استقلالية البنك المركزي، ليس فقط في النصوص، بل في الممارسة.
مواقفه المتحفظة من التوسع المالي غير المؤطر، وتحذيراته المتكررة من مخاطر الاستدانة السهلة، وتعاطيه الحذر مع مسألة تعويم العملة، جعلت منه فاعلًا مركزيًا في رسم الحدود بين ما هو نقدي وما هو مالي.
وهو ما جعل بنك المغرب، في أكثر من محطة، صوت توازن داخل منظومة تميل بطبيعتها إلى منطق الحلول السهلة قصيرة الأمد.
من هنا، يتحول الحديث عن مرحلة ما بعد الجواهري إلى نقاش سياسي واقتصادي مركّب.
فالمسألة لا تتعلق فقط بمن سيخلفه، بل بنوع المقاربة التي ستسود في تدبير السياسة النقدية، في ظل سياق حكومي يتسم بتوسع في الإنفاق العمومي، واعتماد متزايد على آليات تمويل مبتكرة، وارتفاع ملحوظ في حجم المديونية.
وهو سياق ارتبط بالاختيارات الاقتصادية والمالية التي قادتها حكومة عزيز أخنوش، والتي جعلت من الاستثمار والتمويل رافعتين أساسيتين للنمو، مقابل نقاش متواصل حول كلفة هذه الاختيارات على الاستقرار المالي على المدى المتوسط.
في هذا الإطار، يرى متابعون أن أي تغيير على رأس البنك المركزي لا يمكن أن يكون محايدًا بالكامل، لأنه سيقع عند تقاطع حساس بين متطلبات الاستقرار النقدي، وضغوط التمويل العمومي، وانتظارات الفاعلين الاقتصاديين.
فالعلاقة بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي، مهما كانت مؤطرة قانونيًا، تظل محكومة بتوازنات دقيقة، يصبح فيها الحفاظ على الاستقلال الفعلي أكثر تعقيدًا في فترات الضغط المالي.
وتزداد هذه الحساسية في سياق دولي متقلّب، يتسم بتشدد السياسات النقدية عالميًا، وارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع شهية المستثمرين للمخاطر.
ففي مثل هذه الظروف، لا تُقاس مصداقية السياسة النقدية فقط بالقرارات المتخذة، بل أيضًا بوضوح الرؤية، واستمرارية الخط العام، والقدرة على طمأنة الأسواق بأن الانتقال، متى حصل، لن يترجم إلى قطيعة مفاجئة في التوجهات.
كما أن هذا النقاش يتزامن مع تغييرات عرفتها مؤسسات أخرى ذات طابع استشاري أو رقابي، ما يمنح لسؤال الخلافة داخل بنك المغرب بعدًا رمزيًا إضافيًا.
فجزء من الرأي العام يقرأ هذه التحولات باعتبارها مؤشرات على إعادة ترتيب مراكز القرار الاقتصادي، بينما يراها آخرون مجرد انتقالات عادية داخل دورة المؤسسات.
غير أن الثابت هو أن البنك المركزي يظل حالة استثنائية، بحكم موقعه كصمام أمان للاقتصاد، وليس مجرد إدارة عمومية قابلة للتغيير السريع.
ولا يتعلق الرهان الحقيقي بتحديد تاريخ مغادرة الجواهري، بقدر ما يرتبط بكيفية تدبير المرحلة التي ستلي، وبالمنهج الذي سيحكم اختيار الخلف، وبالرسائل التي ستُوجَّه للأسواق وللمواطنين على حد سواء.
فالأسماء، مهما كان وزنها، قابلة للتغيير، لكن الخيارات النقدية الخاطئة، إن حصلت، تكون كلفتها طويلة الأمد، وتنعكس مباشرة على القدرة الشرائية، والاستثمار، وثقة الفاعلين الاقتصاديين.
من هذا المنظور، يتحول النقاش حول مرحلة ما بعد الجواهري إلى اختبار حقيقي لنضج المنظومة المؤسساتية المغربية، وقدرتها على ضمان الاستمرارية بعيدًا عن منطق الأشخاص، وقريبًا من منطق الدولة.
اختبارٌ لن تُقاس نتائجه في لحظة الإعلان عن أي تغيير، بل في ما سيليه من قرارات، وفي مدى قدرة بنك المغرب على الحفاظ على دوره كحارس للتوازنات في مرحلة إقليمية ودولية مضطربة.
