أثار تخصيص مجلس جهة الدار البيضاء–سطات لما يقارب 785 ألف درهم من المال العام، في إطار صفقة تتعلق بخدمات الإطعام والاستقبال، نقاشًا واسعًا حول أولويات التدبير الجهوي، وحدود انسجام بعض النفقات مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي للجهة، خاصة في ظل تصاعد مطالب ترشيد الإنفاق العمومي وربط الميزانيات بالأثر الميداني.
كشفت مصادر إعلامية أن الصفقة، التي وردت تفاصيلها في محضر رسمي لطلب عروض وطني، رست على ممون واحد باعتبار عرضه “الأكثر فائدة اقتصاديًا”، غير أن هذه المعطيات لم تُرفق بتوضيحات كافية للرأي العام بشأن طبيعة “الشخصيات” المستفيدة من خدمات الاستقبال، وعددها، ومدة هذه الخدمات، ولا السياق العملي الذي يبرر تخصيص غلاف مالي بهذا الحجم.
ومن حيث الشكل القانوني، قد تبدو الصفقة منسجمة مع المساطر المعمول بها في مجال الصفقات العمومية، غير أن الإشكال المطروح يتجاوز البعد الإجرائي إلى سؤال الأولوية والاختيار السياسي في تدبير الموارد.
فجهة الدار البيضاء–سطات، رغم وزنها الاقتصادي، تضم مجالات قروية وهامشية تعاني خصاصًا مزمنًا في البنيات الأساسية، من نقل مدرسي ومسالك طرقية، إلى ضعف العرض الصحي والخدمات الاجتماعية.
في هذا السياق، يثير توجيه مئات الآلاف من الدراهم نحو نفقات استقبالية ذات طابع استهلاكي تساؤلًا مشروعًا حول فلسفة التدبير الجهوي المعتمدة: هل تُمنح الأولوية للنفقات ذات الأثر الاجتماعي المباشر، أم لتكاليف البروتوكول والصورة؟ فمثل هذه المصاريف، مهما كانت قانونية، تظل محدودة القيمة المضافة، ولا تُسهم في تقليص الفوارق المجالية أو تحسين جودة العيش داخل المجالات الأكثر هشاشة.
ويتقاطع هذا الجدل مع الخطاب الرسمي الذي يؤكد، في أكثر من مناسبة، الالتزام بمبادئ الحكامة الجيدة وترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن مصداقية هذه الشعارات تظل محل اختبار حين تُرصد اعتمادات معتبرة لمجالات لا تمسّ بشكل مباشر أولويات الساكنة، في مقابل تأجيل أو تقليص مشاريع ذات طابع اجتماعي وتنموي واضح.
كما تطرح عبارة “الأكثر فائدة اقتصاديًا”، الواردة في وثائق الصفقة، إشكالًا إضافيًا يتعلق بكيفية تقييم الفائدة في التدبير العمومي، إذ لا يُفترض أن تُقاس هذه الفائدة فقط بالكلفة المالية، بل بمدى انسجام النفقة مع المصلحة العامة، وبالأثر المنتظر على التنمية الترابية والعدالة المجالية.
ويبقى هذا النوع من الصفقات كاشفًا لحاجة متزايدة إلى نقاش عمومي صريح حول أولويات الصرف الجهوي، وحدود المقبول في تدبير المال العام، في سياق اجتماعي واقتصادي يتطلب توجيه الموارد نحو ما يُحقق نفعًا مباشرًا للساكنة، ويعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
