بينما تُجرى مباريات كأس إفريقيا للأمم على الملاعب المغربية، وتُنقل صور التنظيم والاحتفالات القارية إلى جمهور واسع داخل القارة وخارجها، تعيش مناطق من المغرب، وعلى رأسها إقليم الحوز، واقعًا مختلفًا تمامًا.
هناك، لا أضواء كاشفة ولا مظاهر احتفال، بل خيام مؤقتة، وتساقطات مطرية متواصلة، وبرد قارس يضاعف من هشاشة أوضاع أسر لم تسترجع بعد شروط العيش الأساسية.
لم يكن انطلاق كأس إفريقيا حدثًا رياضيًا محضًا، بل لحظة رمزية ذات أبعاد سياسية وتواصلية، تُختبر فيها قدرة الدولة على التوفيق بين الطموح الخارجي والالتزام الداخلي.
غير أن التزامن بين هذه التظاهرة القارية والظروف المناخية الصعبة التي تضرب مناطق الزلزال أعاد إلى الواجهة مفارقة لافتة: قدرة واضحة على إدارة الواجهة، مقابل تعثر مستمر في طيّ ملف اجتماعي طارئ.
ولا يقتصر هذا التناقض على المجال الرياضي.
ففي خضم هذا السياق، اختارت وزارة السياحة رصد غلاف مالي يقارب مليار سنتيم لصانع محتوى مغربي، بهدف الترويج للمغرب في إفريقيا وتعزيز صورته السياحية.
من حيث المبدأ، يندرج هذا التوجه ضمن منطق التواصل والترويج الخارجي، غير أن توقيته وسياقه يفرضان تساؤلًا مشروعًا حول ترتيب الأولويات، خاصة في ظل استمرار أوضاع إنسانية غير محسومة في مناطق متضررة من الزلزال.
غير أن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بما يُصرف اليوم، بل بما صُرف خلال الأشهر الماضية.
فبعد زلزال الحوز، جرى الإعلان عن تعبئة مالية مهمة، شملت موارد داخلية، وهبات خارجية، وصناديق خاصة خُصصت لإعادة الإعمار، والإيواء، وتعويض المتضررين.
ومع ذلك، ما تزال آلاف الأسر تعيش في خيام مؤقتة، في مشهد يفرض، بحكم الواقع، تساؤلًا واضحًا: كيف جرى توظيف هذه الاعتمادات، ولماذا لم تُترجم بعد إلى حلول دائمة في الميدان؟
هذا التساؤل لا يُطرح من باب التشكيك أو الاتهام، بل من باب الحق في المعلومة والشفافية. فحين يستمر الاعتماد على حلول مؤقتة، وتتعاقب فصول السنة دون حسم نهائي لوضعية الإيواء، يصبح من حق الرأي العام الاطلاع على حصيلة دقيقة تشمل حجم المبالغ المصروفة، وطبيعة المشاريع المنجزة، وأسباب تعثر التنفيذ، والآجال المتوقعة لإنهاء هذه الوضعية الاستثنائية.
وفي هذا السياق، يبرز غياب تواصل مالي مؤسساتي واضح حول مصير هذه المساعدات.
فغياب حصيلة مفصلة ومعلنة يفتح المجال للتأويل، ويؤثر سلبًا على منسوب الثقة.
تقديم معطيات دقيقة للرأي العام لا يُضعف المؤسسات، بل يعزز مصداقيتها، خصوصًا في ملفات ذات طابع إنساني واجتماعي حساس.
الإشكال، في جوهره، لا يرتبط بندرة الموارد بقدر ما يرتبط بكيفية تدبيرها وترتيب أولويات صرفها. فالدولة التي تُظهر قدرة تنظيمية ومالية عالية لإنجاح تظاهرات كبرى، يُفترض أن تكون قادرة، بالمنطق نفسه، على إنهاء وضع إنساني طارئ طال أمده أكثر مما ينبغي.
كل موجة برد أو منخفض جوي جديد لا تُعيد فقط معاناة الأسر، بل تُعيد فتح النقاش حول النجاعة، وسرعة التنفيذ، ووضوح القرار العمومي.
ما يطفو إلى السطح، بهدوء، هو إحساس بوجود مستويين للواقع: مغرب يُقدَّم في الواجهات الإعلامية والملتقيات الدولية، ومغرب آخر ينتظر، في الهامش، أن تتحول الالتزامات المعلنة إلى سكن لائق وحلول دائمة.
وبين هذين المستويين، يظل سؤال واحد حاضرًا بقوة في النقاش العمومي: كيف صُرفت المساعدات المخصصة لزلزال الحوز، ومتى سينعكس أثرها الكامل على الأرض؟
الرهان اليوم لا يكمن في التشكيك في التظاهرات الرياضية أو رفض الترويج السياحي، بل في ربط الصورة الخارجية بالعدالة الداخلية. لأن أقوى تعريف بالمغرب، داخل إفريقيا وخارجها، لا تصنعه المناسبات الكبرى وحدها، بل قدرة السياسات العمومية على الاستجابة السريعة والناجعة للأزمات الاجتماعية حين تقع.
