خلال جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية بمجلس مجلس النواب، اليوم الإثنين، خرجت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش لتضع حدًا، وفق تعبيرها، لما يُتداول بشأن بيع السمك في عرض البحر.
نفيٌ قاطع، مقرون بتحدٍّ مباشر، وتأكيد على أن المراقبة تتم عبر الأقمار الصناعية وبمشاركة البحرية الملكية والدرك الملكي، مع خضوع جميع البواخر لتتبع دقيق.
كما أعلنت المسؤولة الحكومية، في السياق ذاته، عن قرار منع تصدير السردين المجمد ابتداءً من فاتح فبراير 2026، بدعوى تعزيز تموين السوق الوطنية وضبط الأسعار.
من حيث الشكل، يبدو الخطاب منسجمًا ومتماسكًا تقنيًا، ويستند إلى منظومة رقابية ورقمية جرى تطويرها على مدى سنوات.
غير أن الإشكال لا يطرح نفسه في البحر بقدر ما يفرض حضوره على البر. فالسؤال الذي يطرحه المستهلك لا يتعلق بمسار الباخرة أو بجهاز التتبع، بل بثمن السمك في السوق، وبالفارق الصارخ بين وفرة تُعلن رسميًا وغلاء يلمسه يوميًا.
فالتحكم في الصيد لا يعني تلقائيًا التحكم في السعر، ما دامت السلسلة الممتدة من التفريغ إلى البيع بالتقسيط تعج بحلقات غير خاضعة للضبط الصارم.
إحالة الأسعار إلى “منطق العرض والطلب”، كما ورد في جواب كاتبة الدولة، توصيف اقتصادي صحيح من حيث المبدأ، لكنه يظل قاصرًا في سوق تعرف اختلالات بنيوية واضحة.
فحين تتكدس القوة التفاوضية في يد فاعلين محدودين داخل قنوات التوزيع، وحين تغيب الشفافية بشأن هوامش الربح والتخزين والمضاربة، يتحول هذا المنطق إلى غطاء تفسيري أكثر منه آلية توازن.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في كمية السمك المصطادة، بل في كيفية تشكّل السعر بعد البيع الأول، ومن يراقب تلك المرحلة التي لا تصلها الأقمار الصناعية.
أما قرار منع تصدير السردين المجمد، فيحمل في ظاهره بعدًا اجتماعيًا، لكنه يطرح بدوره أسئلة مشروعة.
فالمنع، في غياب إصلاح متكامل لمسارات التسويق والتوزيع، قد يتحول إلى إجراء ظرفي محدود الأثر، أو إلى فرصة لإعادة إنتاج الاحتكار داخل السوق الوطنية بدل توجيه المنتوج إلى الخارج.
وتُظهر التجربة أن وفرة العرض لا تنعكس تلقائيًا على الأسعار ما لم تُضبط حلقات التخزين والوساطة، وما لم تُواكب القرارات بآليات تقييم واضحة تقيس أثرها الفعلي على جيب المواطن.
في هذا السياق، جرى التذكير بانطلاق ورش الرقمنة منذ سنة 2010، في إطار استراتيجية أليوتيس التي أعطى انطلاقتها محمد السادس سنة 2009. ولا خلاف حول ما حققته هذه الاستراتيجية من تحديث على مستوى التتبع والتصدير وأسواق البيع الأول.
غير أن الرقمنة، مهما بلغت من تطور، تظل أداة تنظيم ومراقبة، لا سياسة تسعير ولا ضمانة تلقائية لعدالة السوق، ما دامت البنية نفسها لم تُراجع بشكل شامل.
خلاصة النقاش، كما عكسه هذا الجواب البرلماني، أن الدولة تؤكد امتلاكها لأدوات المراقبة والحماية البيئية، وهو أمر أساسي لاستدامة الثروة السمكية.
غير أن حماية هذه الثروة لا يمكن فصلها عن حماية القدرة الشرائية للمواطن.
وبين خطاب تقني يُطمئن المؤسسات، وواقع سوق يُقلق الأسر، يبقى السؤال مفتوحًا: إذا كان السمك وفيرًا، والمراقبة محكمة، والرقمنة متقدمة، فلماذا لا يزال ثمنه مرتفعًا في أسواق القرب؟ سؤال لا تجيب عنه الأقمار الصناعية، بل سياسة سوق واضحة، تمتد من الميناء إلى مائدة المغاربة.
