إحالة مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية تكشف أن الخلاف تجاوز تفاصيل النصوص، ليصل إلى جوهر الاستقلال وحدود تدخل السلطة في مهنة يُفترض أنها تُنظّم نفسها بنفسها.
إحالة مشروع قانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية لا يمكن التعامل معها كخطوة إجرائية عادية، ولا كمجرد تفعيل تقني لآليات الرقابة الدستورية.
فالأمر يتعلق، في العمق، بنزاع حول فلسفة التنظيم الذاتي للصحافة، وحول الحدود الفاصلة بين ما هو مهني مستقل وما هو تدبير مؤسساتي يخضع لمنطق السلطة التنفيذية، حتى وإن قُدّم بلغة التوازن والانضباط.
المعارضة البرلمانية، حين استندت إلى الفصل 132 من الدستور لإحالة النص على المحكمة الدستورية، لم تكن تنازع الحكومة في تفاصيل تقنية قابلة للتعديل، بقدر ما كانت تطعن في المنطق العام الذي يحكم المشروع.
فالإشكال، كما تراه هذه المكونات، لا يتعلق بمادة أو اثنتين، بل بسؤال مركزي مفاده: هل نحن أمام تنظيم ذاتي حقيقي للمهنة، أم أمام إعادة هندسة قانونية تُفرغ هذا المفهوم من محتواه الدستوري، وتحوله إلى إطار مضبوط من خارج الجسم الصحافي؟
الاعتراض الجوهري يتمحور حول كيفية تشكيل المجلس الوطني للصحافة، حيث يُنظر إلى تقليص منسوب الانتخاب المهني المباشر، وتوسيع آليات التعيين أو التمثيلية غير المباشرة، باعتباره مساسًا بروح الاستقلالية.
فكلما تراجع حضور الاختيار الحر داخل الجسم الصحافي، ارتفع منسوب التأثير الخارجي، حتى وإن جرى تغليفه بصيغ توافقية أو مؤسساتية. فالتنظيم الذاتي، في جوهره، يقوم على أن تُنظّم المهنة نفسها بنفسها، لا أن يُعاد ترتيبها من خارجها.
كما يثير المشروع، في صيغته الحالية، إشكال العلاقة بين المجلس والسلطة التنفيذية.
فالدستور، حين أقر مبدأ التنظيم الذاتي، كان يفترض حدًا أدنى من المسافة المؤسساتية بين الهيئات المهنية والسلطة الحكومية.
وأي توسيع لهذا الدور، سواء عبر التأطير أو الضبط أو تحديد الهندسة العامة، يجعل المجلس أقرب إلى جهاز شبه إداري منه إلى هيئة مستقلة، وهو ما ينسف فلسفة التنظيم الذاتي، حتى وإن لم يُلغها نصيًا.
أما تمرير المشروع دون قبول أي تعديل من أصل 139 تعديلًا تقدمت بها فرق المعارضة، فيحمل دلالة سياسية تتجاوز النقاش القانوني. فالرفض الجماعي للتعديلات، دون تمييز أو نقاش جوهري، يعكس منطقًا تشريعيًا قائمًا على ترجيح الأغلبية العددية على جودة التشريع، ويُضعف وظيفة البرلمان كفضاء للتوازن والحوار، لا مجرد غرفة للمصادقة.
في المقابل، دافعت الحكومة عن المشروع باعتباره مرحلة ثانية من التنظيم الذاتي، ونفت وجود أي خلفية سياسية وراءه، مؤكدة أنه يهدف إلى تحقيق التوازن بين حرية الصحافة واحترام أخلاقيات المهنة. غير أن هذا الدفاع، رغم لغته المطمئنة، يظل خطاب نوايا أكثر منه جوابًا دستوريًا مقنعًا، لأن السؤال الجوهري لا يتعلق بسلامة المقاصد، بل بمتانة الضمانات القانونية التي ينبغي أن تصمد أمام تغيّر السياقات السياسية وتبدّل موازين القوة.
فالدستور لا يُبنى على الثقة في الحكومات، بل على التحوّط منها. ومن هذا المنطلق، فإن إحالة المشروع على المحكمة الدستورية تكتسي أهمية خاصة، لأنها ستحدد ما إذا كان التنظيم الذاتي للصحافة مجالًا مفتوحًا لإعادة الصياغة وفق منطق الأغلبية، أم مبدأً دستوريًا محميًا لا يجوز المساس بجوهره، حتى باسم الإصلاح.
ما يجري اليوم ليس خلافًا تقنيًا حول مجلس أو نص قانوني، بل اختبار فعلي لمدى ترسخ حرية الصحافة كمجال مستقل داخل النسق الدستوري المغربي.
وإحالة القانون على المحكمة الدستورية تعني أن المعركة خرجت من منطق التصويت العددي، ودخلت فضاء التأويل الدستوري العميق، حيث لا تكفي الأغلبية البرلمانية، ولا تُجدي النوايا الحسنة، بل تحسم المبادئ.
