لا يمكن فصل جواب وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، حول عقود البرامج بين الدولة والجهات، عن السياق السياسي العام الذي تُدار فيه السياسات الترابية بالمغرب.
فقد جاء هذا الموقف في جواب كتابي ، ردًا على سؤال للنائب البرلماني إبراهيم اعبا عن الفريق الحركي، بخصوص برامج التنمية الجهوية، وهو ما يمنحه طابعًا رسميًا يعكس تصور الدولة لهذه السياسات، لا مجرد تصريح عابر.
الإعلان عن تعبئة 157 مليار درهم لإنجاز أزيد من 1000 مشروع تنموي، مع الحديث عن نسب إنجاز مرتفعة، لا يُقدَّم فقط كمعطى تقني، بل كاختيار سياسي واضح يراهن على منطق الرقم والعرض أكثر مما يراهن على منطق الأثر والمساءلة. فالأرقام هنا تُستعمل لتأكيد الحضور القوي للدولة في المجال، حتى وإن ظل هذا الحضور، في حالات كثيرة، هشًا عند الاختبار الميداني.
في هذا السياق، تحوّلت البنية التحتية من وسيلة للتنمية إلى واجهة سياسية.
ومع كل موسم مطري، تعود مظاهر الاختلال إلى الواجهة: طرق تتضرر بسرعة، أحياء تعرف اختناقات مائية، مسالك قروية تنقطع، وشبكات تطهير تعجز أحيانًا عن استيعاب التساقطات العادية.
وهي وقائع تتكرر بانتظام، دون أن يقابلها تصحيح جذري في أسلوب التخطيط أو التنفيذ.
ولا يمكن التعامل مع هذه الأعطاب باعتبارها حوادث تقنية معزولة، فهي تعكس، في العمق، اختيارات سياسية تفضّل السرعة على الجودة، وتُراكم الإنجاز الشكلي بدل الاستثمار في الاستدامة.
فالإنجاز يُحتسب لحظة صرف الاعتماد وتسليم المشروع، لا لحظة قياس أثره الفعلي على حياة المواطنين وعلى صمود البنية التحتية في الظروف العادية.
الأخطر أن هذا النموذج يُدار تحت خطاب متكرر حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ورد في جواب الوزير نفسه، بينما الواقع يُظهر ضعف التفعيل العملي لهذا المبدأ.
فلا محاسبة سياسية واضحة عند فشل المشاريع، ولا مساءلة إدارية عند تكرار الأعطاب، ولا نشر منتظم لتقارير افتحاص مستقلة توضّح للرأي العام مكامن الخلل والمسؤوليات المترتبة عنها.
وبهذا المعنى، تتحول 157 مليار درهم من رافعة مفترضة للتنمية إلى عبء سياسي مؤجَّل، يُراكم فقدان الثقة بدل ترسيخها.
ويزداد هذا البعد السياسي وضوحًا مع التركيز المتواصل على الدور المحوري لوزارة الداخلية والولاة في تنزيل هذه العقود.
فبالرغم من مساهمة الجهات بمليارات الدراهم في التمويل، يظل هامشها محدودًا في القرار الاستراتيجي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول حقيقة الجهوية المتقدمة.
وحين تكون الجهة ممولة أكثر منها مقرِّرة، فإننا نكون أمام لامركزية تنفيذية تُبقي القرار العمومي رهين المركز، حتى وإن تغيّرت الشعارات.
الخلاصة:
المشكل لا يكمن في حجم الاعتمادات ولا في عدد المشاريع، بل في النموذج السياسي الذي يحكمها.
فبنية تحتية تتأثر بسرعة مع أولى التساقطات المطرية، رغم كلفتها التي بلغت 157 مليار درهم، تؤكد أن الخلل ليس مناخيًا ولا تقنيًا، بل سياسي بالدرجة الأولى. وبين خطاب رسمي يُضخّم الأرقام داخل البرلمان، وواقع ميداني يكشف الهشاشة، تظل التنمية الترابية في المغرب رهينة قرار يفضّل التدبير الآني على البناء الاستراتيجي، ويؤجّل المحاسبة بدل أن يجعلها مدخلًا حقيقيًا للإصلاح.
