خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، أمس الاثنين، قدّم كاتب الدولة لدى وزير الصناعة والتجارة، المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، قراءة حكومية لتطور الميزان التجاري، اعتبر فيها أن ارتفاع الواردات يندرج ضمن “السير الطبيعي” للاقتصاد المغربي، باعتباره انعكاسًا لدينامية الاستثمار والأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة.
من حيث الشكل، جاء الجواب مضبوطًا بالأرقام والمعطيات التقنية.
فقد شرح نسب الواردات، وفصّل مكوناتها، وبرّر صعوبة تقليصها بارتباطها بالطاقة ومواد التجهيز والمواد الخام والحبوب. غير أن هذا الشرح، رغم دقته، توقف عند حدود الحسابات، وترك دون جواب السؤال الأعمق: ماذا تعني هذه الأرقام لمستقبل السيادة الاقتصادية للمغرب؟
فحين يؤكد المسؤول الحكومي أن 62 في المائة من الواردات غير قابلة للتقليص، فإن المعطى لا يكون إشكاليًا في حد ذاته، بقدر ما تكمن الإشكالية في استمراريته.
إذ يطرح هذا الواقع تساؤلًا مشروعًا حول حصيلة سنوات من سياسات التصنيع ودعم الاستثمار، ومدى نجاحها في تقليص التبعية البنيوية للاستيراد ورفع نسب الإدماج المحلي.
فالأرقام تشرح “كيف” يتحرك الميزان التجاري، لكنها لا تجيب عن “إلى أين” يتجه النموذج الاقتصادي.
الاستثمار، كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي، يُفترض أن يكون رافعة للإنتاج المحلي وتقوية سلاسل القيمة الوطنية.
غير أن استمرار الاعتماد المكثف على المدخلات المستوردة يفتح نقاشًا حول طبيعة هذا الاستثمار: هل نحن أمام تصنيع فعلي يولّد قيمة مضافة داخلية، أم أمام نموذج تجميع صناعي يوسّع حجم النشاط دون أن يغيّر جوهر التبعية؟
الأخطر في هذا السياق هو تطبيع العجز التجاري وتقديمه كأمر طبيعي، في حين أنه مؤشر هيكلي على اختلال التوازن بين ما يُنتَج وما يُستهلك، وبين ما يُصدَّر وما يُستورد.
فالعجز لا يبقى حبيس الجداول الإحصائية، بل ينعكس على العملة، وعلى المالية العمومية، وعلى القدرة الشرائية، ويجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام التقلبات الخارجية.
وفي مقابل هذا التبرير، يظل الحديث عن تعزيز الصادرات وتنويع الأسواق وتقييم اتفاقيات التبادل الحر خطابًا عامًا، يتكرر دون تقييم صريح للأثر الصافي.
فالتحدي الحقيقي لم يعد في تسجيل نمو اسمي في الصادرات، بل في قدرتها على تقليص الفجوة مع الواردات وبناء توازن مستدام.
أما الاتفاقيات التجارية، التي يُعاد الحديث عن “تقييمها” منذ سنوات، فلا تزال ملفًا مؤجلًا، رغم كونها عنصرًا حاسمًا في فهم اختلال الميزان التجاري.
ما قُدّم داخل البرلمان يطمئن الحسابات، لكنه لا يطمئن الرؤية. فشرح الأرقام، مهما بلغ من الدقة، لا يعوّض غياب جواب واضح عن سؤال السيادة الاقتصادية: هل يسير المغرب نحو اقتصاد أقل تبعية وأكثر إنتاجًا، أم نحو إدارة تقنية لعجز يتكرس مع الزمن؟ لأن الاقتصاد الذي يشرح اختلالاته جيدًا، دون أن يعالج جذورها، يعلن ضمنيًا حدود النموذج الذي يعتمد عليه.
