اختار وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، أمس الإثنين، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، الدفاع عن حصيلة الحكومة في ملف غلاء الأسعار بلغة غير مألوفة، حين تحدث عن “وحوش” تتلاعب بالأثمنة، في محاولة لتفسير استمرار الغلاء رغم ما اعتبره “مجهودات حكومية” و“تحكمًا في التضخم” في حدود 7 في المائة خلال سنتين متتاليتين.
هذا الخطاب، الذي يجمع بين الاعتراف الجزئي والبحث عن التبرير، أعاد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا: هل تعكس الأرقام المقدّمة واقع القدرة الشرائية للمغاربة، أم تُستعمل أساسًا لتخفيف الضغط السياسي أكثر مما تُستعمل لتشخيص الأزمة؟
الوزير قدّم معدل التضخم باعتباره مؤشرًا إيجابيًا، غير أن هذا المعطى الإحصائي يظل قاصرًا عن ترجمة ما تعيشه الأسر فعليًا.
فالمواطن لا يستهلك “المعدل”، بل يواجه ارتفاعًا متواصلًا في أسعار الغذاء، والنقل، والدواء، والخدمات الأساسية، وهي أثمان لم تعرف تراجعًا ملموسًا، حتى خلال الفترات التي شهدت تحسنًا نسبيًا في بعض المؤشرات الدولية.
أكثر ما يثير الانتباه في خطاب مزور هو لجوؤه إلى توصيف “الوحوش” لوضعية السوق.
فبدل تفكيك الاختلالات البنيوية المرتبطة بسلاسل التوزيع، والاحتكارات، وضعف المراقبة، جرى اختزال الأزمة في سلوك فاعلين غير محددين، بما يخلق انطباعًا بأن الغلاء نتاج ممارسات خارجة عن إرادة الدولة، لا نتيجة خيارات تنظيمية وسياسات عمومية.
ورغم إقرار الوزير بوجود استفادة غير مشروعة من الدعم العمومي، ظل هذا الاعتراف في حدود التشخيص العام، دون أن يُرفق بإجراءات عملية واضحة.
فلا حديث عن ربط الدعم بالتزامات سعرية، ولا عن تفعيل آليات زجر حقيقية في حق المستفيدين الذين لم ينعكس الدعم الذي تلقوه على الأثمنة المعروضة للمستهلك.
وبخصوص تسقيف الأسعار، عاد الوزير للتأكيد على أن هذا الخيار يبقى ممكنًا في حالات استثنائية، قبل أن يُبرز مخاطره المحتملة، خاصة ما يتعلق بتكاليف الإنتاج والحفاظ على التوازنات القطاعية.
غير أن هذا الطرح لم يُجب عن سبب استمرار الحكومة في تجنب تفعيل المقتضيات القانونية التي تخول لها التدخل المؤقت عندما تصل الأسعار إلى مستويات غير مبررة، خصوصًا في قطاعات استفادت من دعم مباشر أو إعفاءات متعددة.
خطاب “حسن النية” الذي ختم به الوزير تدخله يفتح بدوره نقاشًا أوسع حول منطق تدبير الغلاء. فالسياسات العمومية لا تُقاس بالنيات، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس، وعلى إعادة التوازن بين حرية الأسعار وحقوق المستهلك، وعلى إقناع المواطن بأن الدولة لا تكتفي بتوصيف الأزمة، بل تملك الإرادة والأدوات لمعالجتها.
