لم يعد المشهد التشريعي بالمغرب في حاجة إلى كثير من الشرح أو التأويل.
فخلال السنة التشريعية الأخيرة، ومع امتداد الدورة الخريفية الحالية، مرّت مشاريع قوانين كبرى وثقيلة الأثر السياسي والمجتمعي بلا مقاومة تُذكر، وبسرعة لافتة، تكاد تُشبه السرعة الإدارية أكثر مما تُشبه الزمن الديمقراطي.
قوانين الانتخابات، التعليم، المسطرتين المدنية والجنائية، إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة… كلها عبرت البرلمان بأقل قدر ممكن من الاحتكاك، وأدنى مستوى من الصراع التشريعي.
هذا الواقع لا يمكن اختزاله في عبارة “أغلبية مريحة”. فالأغلبية المريحة، في الأنظمة الديمقراطية، لا تُلغي التوتر، بل تُديره.
أما ما يحدث اليوم، فهو أقرب إلى تعطيل منظم لوظيفة البرلمان السياسية، وتحويله إلى فضاء تقني للمصادقة، تُدار فيه الخلافات شكليًا، وتُحسم فيه القوانين فعليًا خارج النقاش.
غير أن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية هذا الوضع يظل قراءة ناقصة.
لأن السؤال الأكثر إزعاجًا لا يتعلق بما تفعل الحكومة، بل بما لا تفعله المعارضة.
أين هي المعارضة حين تُناقش قوانين تؤطر قواعد اللعبة الانتخابية؟
أين صوتها حين يُعاد تشكيل منظومة التعليم؟
أين قدرتها على الإرباك حين تُصاغ قوانين تمس الحريات والمساطر القضائية؟
الجواب المؤلم هو أن المعارضة، في أغلب المحطات، حاضرة شكليًا وغائبة سياسيًا.
حاضرة في قاعات الجلسات، في التصريحات الإعلامية، وفي تسجيل الاعتراضات، لكنها غائبة حين يتعلق الأمر بتحويل الرفض إلى قوة ضغط، أو تحويل التعديل إلى معركة سياسية حقيقية.
لقد تحوّل الفعل المعارض، في جزء كبير منه، إلى طقس روتيني:
تعديلات تُقدَّم مع سبق العلم برفضها، خطابات تُلقى دون أفق تفاوضي، واحتجاجات لفظية لا تتجاوز جدران البرلمان.
بهذا المعنى، لم تعد الحكومة في حاجة إلى فرض هيمنتها التشريعية بالقوة، لأن المعارضة نفسها قبلت، عمليًا، بلعب دور المكمّل الديمقراطي بدل الخصم السياسي.
في هذا السياق، يصبح البرلمان ساحة غير متكافئة: حكومة تُمسك بالأجندة، تضبط الإيقاع، وتُمرّر النصوص كما صاغتها، مقابل معارضة تشتغل بمنطق الدفاع الرمزي عن الموقع، لا بمنطق الهجوم التشريعي.
معارضة تخشى أن تُتَّهم بعرقلة “الإصلاحات”، أو بإرباك “الاستقرار”، أو بمخالفة “الأولويات الاقتصادية والاجتماعية”.
لكن الأخطر من هذا التوازن المختل، هو ما ينتجه على المدى المتوسط:
تشريع بلا نقاش حقيقي، قوانين بلا توافق مجتمعي، وبرلمان بلا وظيفة سياسية واضحة.
حين تُفرغ المعارضة من قدرتها على التأثير، لا تنتصر الحكومة فقط، بل ينهزم منطق التعددية نفسه.
لأن الديمقراطية لا تقوم على وجود معارضة بالاسم، بل على معارضة قادرة على إرباك السلطة، وإجبارها على التفسير، والتراجع، والتعديل.
وما يزيد الصورة قتامة، هو أن هذا الفراغ لا يُملأ بنقاش عمومي موازٍ، ولا بحركية مدنية ضاغطة، بل يُرحَّل في كثير من الأحيان إلى المحكمة الدستورية.
وكأن التشريع أصبح يمرّ أولًا عبر منطق العدد، ثم يُختبر لاحقًا عبر الرقابة الدستورية، بدل أن يُنضج داخل البرلمان نفسه.
بهذا المعنى، نحن أمام مفارقة خطيرة:
حكومة قوية تشريعيًا، برلمان ضعيف سياسيًا، ومعارضة عاجزة عن تحويل الرفض إلى قوة اقتراح.
إن أخطر ما في هذا الوضع ليس تمرير القوانين في حد ذاته، بل تطبيع هذا التمرير.
حين يصبح غياب الصراع أمرًا عاديًا، وحين تتحول السلاسة إلى فضيلة، وحين يُنظر إلى التوتر التشريعي كعبء بدل كونه جوهر العمل البرلماني.
في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، لا تُقاس قوة البرلمان بعدد القوانين المصادق عليها، بل بعدد القوانين التي تغيّرت تحت الضغط، وبعدد النصوص التي لم تمرّ كما أُريد لها أن تمرّ. أما حين تمرّ كل القوانين بسهولة، فذلك ليس دليل نجاعة، بل علامة خلل.
إن ما نعيشه اليوم ليس “راحة تشريعية”، بل إجهاد صامت للديمقراطية. إجهاد لا يُعلن عن نفسه بالمنع أو القمع، بل بالفراغ، بالروتين، وبمعارضة فقدت شهية الاشتباك السياسي.
