في خضم الجدل المتصاعد حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، اختارت الحكومة لغة التطمين اللفظي بدل مراجعة المنهج، معلنة أن “باب الحوار سيظل مفتوحًا” مع أصحاب البذلة السوداء، في وقت كانت قد حسمت فعليًا أولى محطات المسار التشريعي.
وبين خطاب الانفتاح وممارسة القرار، برز التناقض واضحًا، وأعاد إلى الواجهة سؤال الثقة قبل سؤال الإصلاح.
مصادقة المجلس الحكومي على مشروع القانون رقم 66.23، الذي قدّمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، لم تُقرأ كإجراء تقني عابر، بل كإشارة سياسية ثقيلة الدلالة، مفادها أن النص وُضع على السكة قبل استكمال النقاش مع الهيئات المهنية.
ورغم تأكيد الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن المشروع يوجد “في بداية مساره التشريعي” وأن الحوار “سيظل مفتوحًا”، فإن هذا الخطاب بدا أقرب إلى تدبير التوتر منه إلى معالجة أسبابه.
فالحوار، حين يُستدعى بعد المصادقة الحكومية، يفقد طابعه التشاركي، ويتحوّل إلى هامش تصحيحي محدود، يُتاح فيه النقاش دون أن يكون له أثر حاسم على فلسفة النص أو روحه.
وهو ما دفع جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى اعتبار ما يجري تكريسًا لمنطق فرض الصيغة الجاهزة، لا مسارًا تفاوضيًا حقيقيًا.
قرار الجمعية خوض التوقف الشامل عن أداء الخدمات المهنية يومي 8 و9 يناير 2026، وتعليق مهام النقباء، لم يكن رد فعل انفعاليًا ولا تصعيدًا معزولًا، بل رسالة سياسية محسوبة مفادها أن الخلاف لم يعد تقنيًا، بل يمس جوهر استقلال المهنة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيمها.
فالاحتجاج هنا لا يُقدَّم دفاعًا عن امتيازات، كما قد يُروَّج، بل رفضًا لمنهج يُعيد رسم قواعد اللعبة دون توافق مسبق.
مشروع القانون، في صيغته المعروضة، يتضمن مقتضيات تُقدَّم رسميًا باعتبارها تحديثًا للمهنة، لكنها تحمل في عمقها منطق إعادة الضبط.
اعتماد المباراة بدل الامتحان يُسوَّق كآلية للرفع من الجودة، لكنه يفتح الباب أمام تحكم أكبر في الولوج. وإلزامية التكوين المستمر تُطرح كرافعة تطوير، لكنها تُربط بمنطق تأديبي صارم.
أما التكليف الكتابي، فرغم تقديمه كحماية للحقوق، فإنه يُدرج ضمن رؤية تعاقدية قد تُفرغ العلاقة المهنية من بعدها الدفاعي.
ويُضاف إلى ذلك منع الوقفات الاحتجاجية داخل المحاكم، المبرَّر باسم النظام، والذي يُقرأ مهنيًا كتحجيم لحق التعبير الرمزي داخل فضاء العدالة.
الأخطر في هذا المسار لا يكمن في بند بعينه، بل في الروح التي تحكم النص: روح تميل إلى التنظيم من فوق، وتتعامل مع المهنة باعتبارها قطاعًا إداريًا قابلًا للضبط، لا سلطة دفاع مستقلة داخل منظومة العدالة. وهو ما يفسر عمق التوتر القائم، ويجعل تطمينات “الحوار المفتوح” غير كافية لاحتواء القلق المهني المتصاعد.
هكذا، تراهن الحكومة على الزمن التشريعي لتمرير إصلاح مثير للجدل، في مقابل رهان المحامين على الضغط المهني لفرض إعادة التوازن.
وبين الرهانين، يتحول مشروع قانون المحاماة إلى اختبار سياسي حقيقي، لا لمدى تحديث المهنة فقط، بل لحدود الشراكة بين الدولة وهيئات يُفترض أن تكون شريكة لا مُلحقة، ومحاوِرة لا مُستأنسة.
