صادقت الحكومة، اليوم الخميس، وفق بلاغ صادر عن وزارة الداخلية، على مشروع خارطة طريق جديدة تروم استكمال تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، وتتضمن 97 آلية إجرائية، من بينها 35 آلية مصنفة ضمن برنامج ذي أولوية، موزعة على أربعة محاور استراتيجية تشمل دعم التشغيل، وتطوير البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وترشيد تدبير الموارد المائية والطاقية، وتعزيز التأهيل الترابي المندمج.
وتُقدَّم هذه الخطوة رسميًا باعتبارها انتقالًا من مرحلة التراكم إلى مرحلة التفعيل.
وأوضح بلاغ وزارة الداخلية أن إعداد هذه الخارطة جاء تنفيذًا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في الرسالة الموجهة إلى المشاركين في أشغال المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة المنعقدة بطنجة، حيث دعا الملك محمد السادس إلى الخروج بخارطة طريق واضحة المعالم ومتوافق بشأنها، تُؤطر المرحلة المقبلة من هذا الورش الاستراتيجي.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيدًا عن لغة البلاغ، يتعلق بطبيعة هذا “الوضوح”: هل هو وضوح في الرؤية أم في تدبير الزمن السياسي للإصلاح؟
الخارطة الجديدة، كما قُدّمت، تُعيد ترتيب الأولويات وتسعى إلى مواءمة محاورها مع ما ورد في خطاب العرش لسنة 2025 بشأن اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية.
غير أن استعراض الأرقام والآليات، رغم أهميته التواصلية، لا يُخفي مفارقة بنيوية مفادها أن الجهوية المتقدمة ما تزال تُدار، في جوهرها، بمنطق البرامج المؤطرة مركزيًا، أكثر مما تُدار بمنطق السلطة الجهوية القادرة على اتخاذ القرار وتحمل كلفته السياسية والمؤسساتية.
وتوقّف البلاغ الحكومي عند حصيلة وُصفت بالإيجابية، من قبيل إعداد جميع جهات المملكة للتصاميم الجهوية لإعداد التراب وبرامج التنمية الجهوية، إضافة إلى بلوغ تحويل الاعتمادات المالية لفائدة الجهات برسم سنة 2025 نسبة 100 في المائة.
غير أن هذا المعطى، على أهميته المحاسباتية، لا يجيب عن سؤال الأثر، إذ إن التحويل المالي لا يعني بالضرورة قدرة الجهة على الصرف الفعلي، ولا الصرف يضمن تحقيق التنمية أو تقليص الفوارق المجالية، ما دام القرار الاستراتيجي ما يزال محكومًا بسقوف مركزية صارمة.
وفي المقابل، يعترف بلاغ وزارة الداخلية باستمرار تحديات قائمة، في مقدمتها تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وتوضيح اختصاصات الجهة، وإشكالية تمويل الجهوية المتقدمة.
وهو اعتراف دال، لأن هذه التحديات ليست مستجدة، بل رافقت الورش منذ انطلاقه.
وإعادة طرحها اليوم، بعد سنوات من التنزيل، توحي بأن الإشكال لم يكن تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا، مرتبطًا بتردد بنيوي في نقل السلطة الفعلية من المركز إلى المستوى الترابي.
أما إدراج التشغيل في صدارة المحاور الاستراتيجية، فيظل بدوره محاطًا بقدر من الالتباس، إذ إن تحويله إلى سياسة جهوية فعالة يقتضي نماذج اقتصادية ترابية واضحة، وتمكين الجهات من أدوات حقيقية لتوجيه الاستثمار وفق خصوصياتها المحلية.
ودون ذلك، يظل التشغيل عنوانًا جامعًا في الخطاب أكثر منه رافعة جهوية مستقلة لإنتاج الثروة وفرص الشغل.
في المحصلة، لا تمثل خارطة الطريق الجديدة فشلًا لورش الجهوية المتقدمة، لكنها لا ترقى أيضًا إلى مستوى القفزة النوعية المنتظرة.
إنها تعبّر عن إرادة لتنظيم المسار وضبط إيقاعه أكثر مما تعبّر عن حسم سياسي في جوهر اللامركزية.
وبين طموح جهوية القرار وواقع جهوية التدبير، يستمر هذا الورش في التحرك بحذر، مؤجلًا السؤال الجوهري: متى تتحول الجهة من مجرد منفذ للبرامج الوطنية إلى فاعل كامل الصلاحيات في رسم السياسات العمومية؟
