قدّمت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، جوابًا على سؤال كتابي وجّهه النائب البرلماني عادل السباعي عن الفريق الحركي، بخصوص قرارات منع الصيد وتحديد فترات الراحة البيولوجية، مؤكدة أن هذه القرارات تستند إلى دراسات علمية معمقة، وأن الرأي العلمي يظل المحدد الأساسي في اتخاذها.
غير أن هذا التأكيد، رغم ثقله المؤسساتي، يطرح إشكالًا سياسيًا وعلميًا مركزيًا: أيُّ علمٍ هذا الذي يُستدعى لحسم القرار، دون أن يُعرض، ودون أن يُفتح للنقاش أو التفسير؟
في جوابها، شددت المسؤولة الحكومية على أن حماية الموارد البحرية واستدامتها تفرضان تدبيرًا رشيدًا واستغلالًا مسؤولًا، مشيرة إلى اعتماد مخططات تهيئة المصايد وتنزيل ثلاثين مخططًا وطنيًا، تتضمن من بينها فترات الراحة البيولوجية كآلية أساسية للحفاظ على المخزون وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بالقطاع.
غير أن هذا العرض، رغم لغته التقنية، يظل عامًا ومجرّدًا، إذ يكتفي بتعداد الأدوات دون الخوض في نتائجها الفعلية أو حدود نجاعتها.
ولا خلاف حول الدور العلمي الذي يضطلع به المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، ولا حول مشروعية الاستناد إلى البحث العلمي في تدبير المصايد.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا الاستناد إلى حجة صامتة: يُقال إن القرار علمي، ويُطلب من البرلمان والمهنيين والرأي العام التسليم بذلك، دون تقديم المعطيات التي تشرح منطق القرار أو تسمح بتقييمه.
لا مؤشرات رقمية، ولا عرض لتطور المخزون عبر الزمن، ولا تلخيص مبسّط لنتائج الأبحاث التي استُعملت في اتخاذ قرارات المنع أو الترخيص.
ويتجلى هذا الإشكال بوضوح في توصيف وضعية مخزون صنف “رجل الغزال” بكونها “مقلقة”.
فهذه العبارة، على قوتها الإعلامية، تظل ضعيفة علميًا ما لم تُدعَّم بتشخيص دقيق: هل يتعلق الأمر بتراجع حاد في الكتلة الحيوية؟ أم بضغط استغلال يفوق القدرة البيولوجية؟ أم باختلال مؤقت مرتبط بمواسم الصيد؟ فالعلم لا يشتغل بلغة القلق، بل بلغة العتبات والمؤشرات، وما لم تُعرض هذه الأخيرة، يظل القرار معلقًا في منطقة رمادية بين الاحتراز العلمي والتقدير الإداري.
وينسحب المنطق نفسه على الترخيص بجمع وتسويق “رجل الغزال” في دوائر بحرية محددة دون غيرها.
فهذا التمييز الجغرافي يفترض، من الناحية العلمية، وجود اختلافات بيولوجية واضحة بين المخزونات أو تفاوتًا كبيرًا في الضغط الاستغلالي.
غير أن الجواب الرسمي لم يقدّم أي شرح علمي لهذا الاختيار، ما يجعل القرار يبدو انتقائيًا في نتائجه، أكثر منه مؤسسًا على تحليل بيولوجي مُعلن.
وتزداد هذه الإشكالية حدة عند تحديد الحصص الشهرية المسموح بها، التي تختلف من منطقة إلى أخرى.
فغياب توضيح المنهج المعتمد في تحديد هذه الأرقام يطرح تساؤلًا مشروعًا حول طبيعتها: هل هي حصص محسوبة بناءً على نماذج استغلال دقيقة؟ أم سقوف إدارية هدفها الأساسي توزيع الندرة واحتواء الاحتقان الاجتماعي؟ حين لا يُشرح الرقم، يفقد بعده العلمي، ويتحول إلى أداة ضبط أكثر منه أداة استدامة.
بهذا المعنى، لا يكمن الإشكال في وجود قرار صارم لحماية الموارد البحرية، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها هذا القرار.
فالعلم، حين يُستعمل كمرجعية غير قابلة للنقاش، يتحول من أداة فهم إلى أداة إسكات.
وحين يُطلب من المهنيين والبرلمان التسليم بقرارات لا يُكشف منطقها، تتآكل الثقة، حتى وإن كان الهدف المعلن هو حماية المخزون.
إن النقاش حول منع الصيد وفترات الراحة البيولوجية لا يستهدف التشكيك في المؤسسات العلمية ولا في ضرورة الاستدامة، بل يطرح سؤالًا بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالته: إذا كان القرار علميًا، فلماذا لا يُعرض علمه؟ ولماذا لا يُشرح؟ ولماذا يُقدَّم كحقيقة نهائية بدل كاختيار قابل للفهم والمساءلة؟
فحماية الموارد البحرية لا تتحقق فقط بقرارات تُفرض باسم العلم، بل بقرارات يُشرح علمها.
لأن الاستدامة الحقيقية لا تقوم على الصمت، بل على الوضوح، ولا على المنع وحده، بل على الثقة التي يصنعها الفهم.
