تحولت كلمة عبد الإله ابن كيران خلال الجلسة الختامية للملتقى الوطني للمرأة القروية إلى خطاب سياسي مطوّل، تجاوز الإطار الموضوعاتي للقاء، ليغدو مرافعة سياسية مكتملة، جمعت بين النقد الحاد للحكومة الحالية، والدفاع التفصيلي عن حصيلة تجربته الحكومية، والدعوة الصريحة إلى التعبئة الانتخابية، في واحدة من أكثر خرجاته كثافة من حيث المضامين والرسائل.
منذ اللحظات الأولى، حرص ابن كيران على رسم خط فاصل بين ما سماه “السياسة من التحت” و“السياسة من الفوق”، مقدّماً نفسه في موقع الفاعل المرتبط مباشرة بالمواطنين، في مقابل فاعلين سياسيين، حسب توصيفه، لا يتحركون إلا داخل دوائر النفوذ والمال والإدارة.
ولم يكن هذا التقسيم توصيفاً نظرياً بقدر ما شكّل مدخلاً سياسياً لنزع الشرعية الأخلاقية عن الحكومة الحالية، عبر اتهامها الضمني بالانفصال عن الواقع الاجتماعي، وبالعجز عن استيعاب معاناة الفئات الهشة.
الشق الاجتماعي في الخطاب لم يُقدَّم بوصفه نقاشاً تقنياً أو تقييماً سياساتياً محايداً، بل استُعمل كأداة سياسية لمهاجمة اختيارات الحكومة.
فقد خصص ابن كيران حيزاً واسعاً لانتقاد طريقة تنزيل الدعم المباشر، خاصة ما يتعلق بـ“المؤشر”، معتبراً أن حرمان أسر فقيرة من الدعم بسبب عمل مؤقت أو نشاط محدود يعكس منطقاً إدارياً جامداً لا يراعي الهشاشة الاجتماعية الفعلية.
واستحضر حالات لأشخاص فقدوا الدعم بعد أيام قليلة من العمل أو نتيجة تغييرات طفيفة في وضعيتهم، معتبراً أن ذلك يفرغ الدعم من مضمونه الاجتماعي.
وفي هذا السياق، شدد ابن كيران على أنه صاحب التصور الأول للدعم المباشر، بل ذهب إلى حد القول إنه كان يقترح مبالغ أكبر مما هو معمول به حالياً، مؤكداً أن الإشكال لا يكمن في المبدأ، بل في طريقة تدبير آليات الاستفادة.
كما استعاد إجراءات اتخذتها حكومته لفائدة الأرامل، مقدّماً إياها كنموذج لتدخل اجتماعي يستحضر الواقع المعيشي للأسر، لا مجرد أرقام تُدبَّر داخل جداول إدارية.
كما استحضر ابن كيران، بتفصيل لافت، ملف المقاصة، مقدّماً مجدداً روايته حول تقليص كلفتها على ميزانية الدولة خلال فترة ترؤسه للحكومة، ومشدداً على أن هذا القرار مكّن الدولة من تفادي اختلالات مالية كبرى، وفتح المجال أمام تمويل برامج اجتماعية لاحقة.
وفي المقابل، انتقد ما اعتبره تناقضاً سياسياً، يتمثل في مهاجمة حكومته بسبب إصلاح المقاصة، مع الاستفادة في الوقت نفسه من نتائجه المالية من طرف الحكومة الحالية.
ولم يخلُ الخطاب من اتهامات سياسية واضحة، وإن جاءت بصيغة إيحائية، تتعلق بتضارب المصالح واستعمال المال في تدبير الشأن العام.
فقد تحدث ابن كيران عن مسؤولين يملكون شركات كبرى ويشرفون في الوقت نفسه على قطاعات حكومية حيوية، معتبراً أن هذا الوضع يطرح إشكالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً، لأنه يجعل القرار العمومي خاضعاً لمنطق الربح لا لمنطق المصلحة العامة.
وهي إشارات، وإن لم تُرفق بتسميات مباشرة، وضعت الحكومة في موقع المتهم سياسياً أمام الرأي العام.
سياسياً، حملت الكلمة دعوة انتخابية واضحة، تمثلت في الحث المتكرر على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وتعبئة العائلة والمعارف، والتصويت لصالح الحزب.
وقد شدد ابن كيران على أن حزبه لا يعوّل على الإدارة، ولا على المال، ولا على دعم خارجي، بل على “أصوات المواطنين”، في محاولة لإعادة تقديم حزب العدالة والتنمية بوصفه حزباً نظيف اليد، ومعارضاً من داخل المجتمع لا من داخل المؤسسات فقط.
ورغم أن الملتقى خُصص للمرأة القروية، فإن حضور هذا البعد ظل محدوداً من حيث السياسات العمومية.
فقد استُحضرت المرأة أساساً بوصفها عنصراً مركزياً داخل الأسرة، وفاعلاً اجتماعياً مؤثراً في الاستقرار والتعبئة، أكثر مما طُرحت كموضوع لبرامج مفصلة تتعلق بالصحة، أو النقل، أو التمكين الاقتصادي، أو تقليص الفوارق المجالية.
وبهذا المعنى، تحولت المرأة القروية إلى مدخل سياسي، لا إلى محور سياساتي مستقل.
