كشف تقرير “الجاهزية لممارسة الأعمال 2025” (Business Ready 2025) الصادر عن البنك الدولي عن مفارقة بنيوية لم تعد قابلة للتجميل في مناخ الأعمال بالمغرب: ترسانة قانونية وتنظيمية تُقدَّم كنموذج إصلاحي متقدم، تقابلها إدارة بطيئة وعاجزة عن تحويل النصوص إلى واقع اقتصادي فعلي.
مفارقة لا تُحرج فقط سردية الإصلاح، بل تضرب في العمق الأساس السياسي الذي بُني عليه خطاب “حكومة الكفاءات”.
التقرير، الذي قيّم 101 اقتصادًا عالميًا، وضع المغرب ضمن أفضل 40 في المائة من حيث جودة الإطار التنظيمي ومستوى الخدمات العامة، مسجّلًا 70.06 نقطة في محور الإطار القانوني و64.55 نقطة في محور الخدمات العامة.
أرقام تُستعمل رسميًا لتسويق نجاح الإصلاحات، لكنها، في ميزان التحليل، تُخفي خللًا أعمق: إصلاحات تُقاس بجودة الصياغة لا بقدرتها على إحداث الأثر.
وعند الانتقال إلى جوهر الاختبار، أي الكفاءة التشغيلية، يتراجع المغرب إلى 55.71 نقطة، ليستقر في الشريحة الرابعة عالميًا.
هنا يسقط القناع التقني، وتظهر بوضوح فجوة الدولة التي تُشرّع والدولة التي تُنفّذ. بطء إداري مزمن، مساطر معقدة، تباين صارخ بين الجهات، وتراكم للاختصاصات دون وضوح في القرار… أعراض ليست تقنية معزولة، بل نتائج مباشرة لاختيارات سياسية في تدبير الإدارة العمومية.
ورغم إشادة التقرير ببعض النجاحات القطاعية، خصوصًا في مجال اللوجستيك حيث يُقدَّم ميناء طنجة المتوسط كنموذج دولي في تبسيط الإجراءات وتسريع المعاملات، فإن هذا الاستثناء يؤكد القاعدة: الدولة قادرة على النجاح حين يتوفر القرار الصارم، لكنها تعجز عن تعميمه حين يُترك الإصلاح لرتابة البيروقراطية. فالرقمنة، في هذه الحالة، لا ترقى إلى سياسة عمومية شاملة، بل تبقى جزرًا معزولة للنجاعة داخل بحر من التعطيل.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك حين يربط تراجع الكفاءة التشغيلية بضعف الموارد البشرية المؤهلة وسوء توزيعها مجاليًا.
غير أن هذا التشخيص، في بعده السياسي، يكشف فشل الحكومة في تدبير الرأسمال البشري كأداة إصلاح.
فتركّز الكفاءات في الرباط والدار البيضاء، مقابل خصاص حاد في مناطق استراتيجية كالشمال والجنوب، ليس معطى طبيعيًا، بل نتيجة غياب رؤية حكومية لإعادة التوزيع، وضعف سياسات التحفيز، وتحويل الإدارة إلى فضاء طارد للكفاءة لا جاذب لها.
ويُضاف إلى ذلك عامل لغوي بالغ الدلالة، يتمثل في محدودية استعمال اللغة الإنجليزية داخل الإدارة والأنشطة الاقتصادية.
معطى قد يبدو ثانويًا، لكنه سياسي بامتياز، لأنه يعكس انفصال الإدارة عن منطق الاقتصاد العالمي، ويحوّل المغرب عمليًا إلى بيئة استثمارية تحتاج “مترجمًا إداريًا” قبل أن تحتاج رأسمالًا.
غير أن أخطر ما يفضحه التقرير، ولو بلغة هادئة، هو حدود نموذج “حكومة الكفاءات” نفسه.
فالكفاءة، حين تُختزل في خبرة تقنية معزولة عن القرار السياسي، تتحول إلى عبء.
وحين يُقدَّم إنتاج القوانين كإنجاز في حد ذاته، دون ربطه بالمحاسبة والنتائج، يصبح الإصلاح مجرد تمرين بيروقراطي.
الحكومة الحالية راكمت النصوص، لكنها ترددت في تفكيك أعطاب الإدارة، وافتقدت الجرأة السياسية لربط المسؤولية بالمحاسبة، وفضّلت إدارة الزمن بدل كسر منطق التعطيل.
اقتصاديًا، تُترجم هذه الاختيارات في بطء الاستثمار، وارتفاع كلفة الزمن الإداري، وتآكل تنافسية المقاولة الوطنية.
وسياسيًا، تعمّق فجوة الثقة بين خطاب رسمي يُبشّر بتحسين مناخ الأعمال، وواقع يومي يختبره المستثمرون داخل الإدارات.
وهنا يتحول الإطار القانوني المتقدم من رافعة تنمية إلى واجهة تجميل تُخفي أعطابًا بنيوية مؤجلة.
بهذا المعنى، لا يُدين تقرير البنك الدولي القوانين في حد ذاتها، بقدر ما يُدين العجز السياسي عن تفعيلها.
ويضع النموذج الحكومي القائم أمام سؤال لا مفر منه: هل يكفي أن تكون “كفؤًا تقنيًا” لتقود إصلاحًا عميقًا، أم أن غياب الرؤية السياسية والجرأة الإصلاحية هو ما يجعل مناخ الأعمال بالمغرب عالقًا بين قوانين متقدمة وواقع إداري متخشّب؟
