بين ترخيص يثير الجدل وصمت يضاعف الأسئلة، عاد ملف التعمير في مراكش إلى الواجهة، واضعًا رئيسة المجلس الجماعي ووزيرة إعداد التراب الوطني والإسكان وسياسة المدينة أمام اختبار سياسي ومؤسساتي صعب: هل يتعلق الأمر بخرق واضح للقانون، أم بسوء تدبير يكشف هشاشة الحكامة الحضرية في واحدة من أهم مدن المملكة؟
كشفت مصادر إعلامية أن مجلس جماعة مراكش يعيش، خلال الآونة الأخيرة، حالة ارتباك مقلقة في تدبير ملفات التعمير، تعكس فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي حول الحكامة الحضرية واحترام القانون، وبين الممارسة الفعلية على مستوى منح التراخيص، وضبط الاختصاصات، واحترام تصاميم التهيئة.
وضع يثير أكثر من علامة استفهام، خاصة حين يتعلق الأمر بمدينة يُفترض أن تكون نموذجًا في التدبير الحضري، بالنظر إلى وزنها السياحي والعمراني ومكانتها الوطنية والدولية.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن آخر مظاهر هذا الارتباك تفجّر خلال دورة يناير العادية لمجلس الجماعة، عندما أثار المستشار الجماعي عن حزب الاستقلال بمقاطعة جليز، هاني فتح الله، ملف ترخيص لبناء عمارة سكنية تضم طابقًا سفليًا وثلاثة طوابق، داخل منطقة مصنفة ضمن مجال الفيلات فقط بجليز الشرقي.
ترخيص، إن صحت معطياته، لا يطرح فقط إشكال احترام تصميم التهيئة، بل يفتح نقاشًا أوسع حول منطق اتخاذ القرار داخل مجلس جماعي يُفترض فيه الالتزام الصارم بالقواعد العمرانية، لا تأويلها أو الالتفاف عليها.
الأكثر إثارة للقلق، وفق المصادر نفسها، هو ما أُثير بشأن تجاوز مجلس الجماعة لاختصاصات مجلس مقاطعة جليز، في تعارض صريح مع القوانين التنظيمية التي تخوّل لرئيس المقاطعة أو نوابه المفوضين صلاحية الترخيص للمشاريع الصغرى.
وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول احترام مبدأ توزيع الاختصاصات، وجدوى اللامركزية، حين تتحول المقاطعات إلى مجرد واجهات إدارية، تُفرَّغ من أدوارها الفعلية لفائدة مركز قرار جماعي غير واضح المعايير، ولا خاضع لمنطق القرب من المواطن.
وتزداد حساسية هذا الملف حين يُستحضر اسم فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة مجلس جماعة مراكش من جهة، والمسؤولة الحكومية عن قطاع التعمير وسياسة المدينة من جهة ثانية.
هذا الجمع بين الموقعين، المحلي والوطني، يجعل أي اختلال محتمل في تدبير التعمير بمراكش محمّلًا بدلالات سياسية مضاعفة، ويحوّل المجلس الجماعي إلى اختبار عملي لمدى انسجام الخطاب الحكومي مع الممارسة الميدانية.
فحين يُسجَّل خرق محتمل لتصميم التهيئة، أو تضارب في الاختصاصات داخل مدينة ترأس مجلسها وزيرة الوصاية على قطاع التعمير، فإن الأمر لا يُقرأ كخطأ إداري عابر، بل كإشارة مقلقة حول منطق التدبير المعتمد، وحول قدرة المؤسسات المحلية على فرض احترام القواعد التي تُسوَّق وطنيًا باعتبارها أساس التخطيط الحضري الرشيد.
ويُعمّق منسوب القلق، وفق متابعين للشأن المحلي، الصمت الذي يطبع موقف مجلس جماعة مراكش إزاء هذه المعطيات، إذ لم يصدر، إلى حدود الساعة، أي توضيح رسمي يشرح خلفيات الترخيص أو يقدّم للرأي العام معطيات دقيقة حول مدى احترام المساطر القانونية المعمول بها.
صمت لا يُفهم فقط كتعثر في التواصل، بل كعجز عن تحمّل كلفة التوضيح السياسي والمؤسساتي في ملف حساس يمس جوهر الأمن العمراني وثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
أما بخصوص مسألة تصنيف العقار، فإن السماح بتحويل مناطق مخصصة للفيلات إلى مجال للعمارات، دون مراجعة رسمية لتصميم التهيئة أو سلوك المساطر القانونية الواجبة، يفتح الباب أمام فوضى عمرانية صامتة، قد لا تظهر آثارها اليوم، لكنها تزرع اختلالات بنيوية في النسيج الحضري، وتراكم مخاطر مستقبلية على مستوى السلامة وجودة العيش، في مدينة لا تحتمل مزيدًا من التجاوزات العمرانية.
وفي هذا السياق، يطرح متابعون سؤالًا مشروعًا حول حدود الجمع بين المسؤولية الحكومية والمسؤولية المحلية، وحول ما إذا كان تدبير الشأن الجماعي بمراكش يعكس الصرامة نفسها التي يُفترض أن تؤطر السياسات العمومية في مجال التعمير على الصعيد الوطني.
فمصداقية أي رؤية وطنية في هذا المجال تبدأ من احترام قواعدها داخل المدن التي يقود مجالسها صناع تلك الرؤية أنفسهم.
إن ما يُسجَّل اليوم في مراكش لا يمكن اختزاله في حادثة معزولة أو خلاف سياسي عابر، بل يبدو، في نظر كثيرين، مؤشرًا على أعطاب أعمق في تدبير الشأن الحضري، وعلى حاجة ملحّة لإعادة فتح نقاش جدي حول الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل أن تتحول الاختلالات الصامتة إلى كلفة يدفع ثمنها المواطن والمدينة معًا.
