Regional Agencies: Administrative Modernization or a New Architecture of Power?
أعاد مشروع القانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان إلى الواجهة نقاشًا سياسيًا ثقيلاً حول حدود الإصلاح الترابي في المغرب، ليس من زاوية النوايا المعلنة، بل من زاوية ما يكشفه البناء القانوني من اختيارات فعلية في توزيع السلطة والقرار.
فبين خطاب رسمي يَعِد بتعزيز الجهوية المتقدمة وتبسيط مساطر التعمير، ونص تشريعي مثقل بالمقتضيات التنظيمية، برزت مخاوف واضحة من أن يكون المشروع أقرب إلى إعادة ترتيب هادئة لمراكز القرار، لا إلى نقل حقيقي له.
كشفت مصادر إعلامية أن النقاش داخل لجنة الداخلية بـ مجلس النواب لم يكن تقنيًا كما حاولت بعض المداخلات تقديمه، بل حمل في عمقه أسئلة سياسية صريحة حول فلسفة المشروع واتجاهه الحقيقي.
فقد أقرّ عدد من النواب بأن المنظومة القانونية الحالية للتعمير والإسكان أضحت متجاوزة، ومتداخلة الصلاحيات، وغير قادرة على مواكبة التحولات المجالية، غير أن هذا التشخيص، في نظرهم، لا يمكن أن يتحوّل إلى ذريعة لتمرير صيغة قد تُعيد إنتاج الأعطاب نفسها تحت مسمى مؤسساتي جديد.
وإذا كان إحداث 12 وكالة جهوية، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، يُسوَّق باعتباره خطوة نوعية في مسار الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، فإن الصيغة المقترحة، بحسب عدد من المتدخلين، تُفرغ هذا الطموح من محتواه السياسي.
إذ تنص على آليات اشتغال وصلاحيات تُبقي القرار الاستراتيجي رهينًا بالإدارة المركزية، وتُحوّل الجهة إلى مستوى تنفيذي موسَّع، لا إلى فاعل ترابي مستقل يملك سلطة المبادرة والاختيار.
عدد من النواب لم يتردّد في التحذير من أن المشروع، رغم لغته الجهوية، يؤسس عمليًا لنمط جديد من التمركز المقنّع، حيث تُنقل المهام دون نقل حقيقي للسلطة، وتُوسَّع مجالات التدخل دون توسيع موازٍ لدائرة المحاسبة.
وضعٌ اعتُبر تناقضًا صريحًا مع روح الدستور، ومع الخطاب الرسمي الذي يربط الجهوية المتقدمة بتقاسم القرار والمسؤولية، لا بتفويض إداري مضبوط السقف.
وفي السياق ذاته، أُثيرت مسألة القطيعة مع تجربة الوكالات الحضرية، التي راكمت، رغم اختلالاتها، أكثر من ثلاثين سنة من الخبرة في التخطيط والمواكبة والتأطير.
فقد حذّرت مداخلات برلمانية من مخاطر التفريط في هذا الرصيد المؤسساتي دون تقييم نقدي جدي، معتبرة أن الانتقال إلى الوكالات الجهوية لا ينبغي أن يتم بمنطق القطيعة الإدارية، بل بمنطق الإصلاح التراكمي القائم على المحاسبة والاستفادة من التجربة.
كما برزت بقوة إشكالية تداخل الاختصاصات، حيث اعتبر نواب أن مشروع القانون يمنح الوكالات الجهوية صلاحيات واسعة تتقاطع بشكل مباشر مع اختصاصات الجماعات الترابية ومع مهام المصالح الخارجية لقطاعات وزارية مختلفة.
تداخل لا يهدد فقط وضوح المسؤوليات، بل يُنذر بإضعاف الفعل الديمقراطي المحلي، عبر تقليص هامش القرار لدى جماعات منتخبة دستوريًا، لصالح بنيات غير منتخبة تُدبّر المجال دون مساءلة سياسية مباشرة.
ودعت مداخلات متعددة إلى إعادة صياغة دقيقة للاختصاصات، تُنهي هذا الغموض، وتُحدّد بشكل صارم الحدود الفاصلة بين أدوار الوكالات الجهوية والجماعات الترابية، مع التنصيص الواضح على تمثيلية ديمقراطية فعلية للمجالس المنتخبة داخل أجهزة اتخاذ القرار، لا تمثيلية شكلية تُستعمل لإضفاء الشرعية على قرارات جاهزة.
وسجّل التقرير البرلماني انتقادات واضحة لتوحيد النموذج الإداري للوكالات الجهوية، في تجاهل للتفاوتات الصارخة بين جهات المملكة من حيث الإمكانيات الاقتصادية والبشرية واللوجيستيكية.
توحيد اعتُبر مدخلًا محتملاً لتعميق الفوارق المجالية بدل تقليصها، ما لم تُعتمد إجراءات تمييز إيجابي لفائدة الجهات الأكثر هشاشة، انسجامًا مع مبادئ الإنصاف الترابي والعدالة المجالية.
وعلى مستوى التنسيق المؤسساتي، جرى التنبيه إلى اختلالات بنيوية تعيق تدبير المجال الترابي، مع المطالبة بإرساء رؤية منسجمة تُنهي حالة التشتت بين المتدخلين، وإحداث آلية تحكيم إداري واضحة لفائدة المواطنين والمستثمرين، خصوصًا في العالم القروي، حيث تتحول مساطر التعمير في كثير من الحالات إلى مسار طويل، معقّد، ومفتوح على التأويل.
وفي هذا الإطار، دعا نواب إلى إحداث أقطاب خاصة بالعالم القروي داخل كل وكالة جهوية، مع توفير الموارد المالية والبشرية واللوجيستيكية اللازمة، وتكييف آليات التدخل مع خصوصيات المجال، بدل إخضاعه لمنطق حضري موحّد لا يعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمناطق القروية.
أما بخصوص الإطار التشريعي، فقد شددت مداخلات برلمانية على أن تنزيل هذا المشروع بمعزل عن مراجعة موازية لنصوص قانونية أخرى ذات صلة سيحوّله إلى إصلاح مبتور، مع الدعوة إلى إخراج منظومة تشريعية موحدة للتعمير، باعتبارها شرطًا أساسيًا لتحسين مناخ الأعمال وضمان وضوح القواعد القانونية.
كما لم يغب ورش الرقمنة عن النقاش، حيث جرى التأكيد على أن أي حديث عن تبسيط المساطر يظل بلا معنى دون رقمنة شاملة وشفافة لمساطر التراخيص وتدبير الاحتياطي العقاري، بما يحد من البيروقراطية ويُقلّص هوامش الغموض والسلطة التقديرية.
وعلى مستوى الموارد البشرية، ناقش النواب وضعية المستخدمين المعنيين بنقل الموارد من الوكالات الحضرية إلى الوكالات الجهوية، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على الحقوق المكتسبة، واعتماد نظام أساسي موحد ومحفّز يضمن الاستقرار المهني، ويعترف بالكفاءة المتراكمة، ويقطع مع منطق الهشاشة خلال المرحلة الانتقالية.
ويضع هذا المشروع صانع القرار أمام سؤال سياسي ثقيل لا يمكن الالتفاف عليه:
هل نحن أمام ورش يعمّق الجهوية ويُعيد توزيع القرار والمسؤولية فعلًا؟
أم أمام إصلاح إداري محسوب، يُغيّر البنيات والأسماء، بينما يظل القرار الترابي محكومًا بالمنطق نفسه، مركزيًا في الجوهر، ومُنزوع السياسة عن الفاعلين المنتخبين؟
