كشف اعتراف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بفشل شركتين في إنجاز الدراسة التقنية المتعلقة بالطبيعة الجيولوجية لمسار نفق أوريكا الرابط بين مراكش وورزازات، عن خلل أعمق بكثير من مجرد تعقيد هندسي عابر.
اعتراف غير مألوف في قاموس الخطاب الحكومي، جاء هذه المرة بصيغة دارجة وصادمة داخل قبة مجلس النواب، حين أقرّ الوزير بأن الوزارة “بقات حاصلة فهاد الإطار”، في توصيف دقيق لحالة انسداد مسار دراستين موّلتهما صفقات عمومية وانتهتا عملياً إلى طريق مسدود.
المشروع، الذي يُفترض أن يشكّل رافعة استراتيجية لفك العزلة عن الجنوب الشرقي وتعزيز الربط بين جهات المملكة عبر نفق بطول يقارب 10 كيلومترات، لا يزال إلى اليوم حبيس مرحلة الدراسة.
غير أن الأخطر في هذا التعثر ليس تأخر الإنجاز في حد ذاته، بل الطريقة التي مرّ بها الفشل دون أي توضيح للرأي العام بخصوص أسماء الشركتين المعنيتين، أو الكلفة الحقيقية للصفقتين، أو الأسباب الدقيقة للتعثر، أو ما إذا كانت الإدارة قد فعّلت فعلاً آليات الجزاء والمراجعة المنصوص عليها في قانون الصفقات العمومية حمايةً للمال العام.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: كيف أمكن إطلاق صفقتين عموميتين لدراسة مشروع بهذا الحجم دون التوفر، سلفاً، على دراسات تمهيدية دقيقة تؤطر المخاطر الجيولوجية والهندسية المحتملة؟ وهل أُنجزت دراسات استطلاعية أو أولية (pré-études) تسمح بتقدير درجة التعقيد قبل المرور إلى مرحلة التعاقد، أم أن المشروع دخل منطق “التجريب” في منطقة جبلية معروفة تاريخياً بحساسيتها الجيولوجية؟ وإن كانت تلك الدراسات موجودة، فلماذا لم تمنع هذا الإخفاق؟ وإن لم تكن، فمن يتحمل مسؤولية هذا القصور في الإعداد؟
ويتعمق الإشكال أكثر عند الانتقال إلى مرحلة اختيار الشركتين اللتين فشلتا في إنجاز الدراسة.
على أي أساس تقني وقانوني مُنحتا الصفقة؟ وهل استوفتا فعلاً شروط الخبرة والكفاءة التي يتطلبها مشروع بهذا المستوى من التعقيد؟ أم أن منطق “العرض الأرخص” أو المقاربة الإدارية الضيقة غلب على معايير الجودة والقدرة التقنية؟ ثم، بعد هذا الفشل، هل اعتُبر الأمر مجرد صعوبة تقنية خارجة عن السيطرة، أم قصوراً مهنياً يستوجب ترتيب الآثار القانونية والمالية، لا الاكتفاء بتجاوزه بالصمت؟
وفي محاولة واضحة لاحتواء وقع الاعتراف، أشار الوزير إلى وجود “مقترحات من شركات أجنبية” لإنجاز الدراسة، مؤكداً أن “الأساسي هو أن النفق سيتم إنجازه”.
غير أن هذا التحول السريع في الخطاب، من التعويل على الخبرة الوطنية إلى استدعاء الخارج، يفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل نحن أمام عجز تقني فعلي أم أمام مخرج جاهز لتجاوز فشل تدبيري لم يُفتح فيه أي تحقيق مؤسساتي؟ وبأي كلفة سيتم اللجوء إلى هذه الشركات الأجنبية؟ وهل سيكون ذلك في إطار شراكات حقيقية تضمن نقل المعرفة وبناء الخبرة الوطنية، أم مجرد تفويض كامل بثمن أعلى وبعملة صعبة، مع ترحيل المخاطر مجدداً إلى الميزانية العمومية؟
ربط الوزير تحديد الكلفة المالية للنفق باستكمال الدراسة التقنية، وهو ربط يبدو منطقياً من حيث الشكل، لكنه يكشف في العمق هشاشة البرمجة الأولية للمشروع.
فمشروع بهذا الحجم، وفي منطقة جبلية شديدة الحساسية، كان يفترض أن يُبنى منذ البداية على سيناريوهات متعددة ودراسات معمقة تقلص هامش المفاجأة، لا أن يتحول مسار دراسته إلى سلسلة من الإخفاقات التي تؤجَّل معها القرارات وتتضخم معها الكلفة المحتملة.
وفي السياق ذاته، حاول بركة توسيع دائرة الجواب باستعراض مجهودات وزارة التجهيز والماء في فك العزلة عن العالم القروي، من خلال الحديث عن إنجاز آلاف الكيلومترات في إطار مخطط الطرق القروية، وبرامج صيانة الطرق غير المصنفة، إضافة إلى تدبير آثار التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة.
غير أن هذا الاستعراض، رغم أهميته، لا يجيب عن السؤال المركزي الذي يفرضه ملف نفق أوريكا: من يُحاسَب حين يفشل مشروع ممول من المال العام في أبسط حلقاته؟
إن الاعتراف بالفشل خطوة نادرة تُحسب سياسياً، لكنها تظل غير مكتملة ما لم تُستكمل بإجابات مؤسساتية واضحة حول كيفية اتخاذ القرار، ومعايير اختيار المتعاقدين، ومصير الاعتمادات المالية التي صُرفت، والضمانات التي سترافق أي توجه جديد نحو “الخبرة الأجنبية”.
فالمشكل، كما يكشف هذا الملف، ليس في قسوة الجبال ولا في تمرد الجيولوجيا، بل في طريقة تدبير المشاريع العمومية حين تغيب المساءلة، ويُرحَّل ثمن الإخفاق دائماً إلى الزمن… وإلى جيوب دافعي الضرائب.
